الأربعاء - 22 سبتمبر 2021
الأربعاء - 22 سبتمبر 2021

يوميات خولة (4)

حين عدت كنت قد امتلأت منها .. لهجتها الساخرة وضحكتها الخفيفة على حديثي المختصر، كانت فاتنة على الرغم من جهلي بسببها، طريقتها في شرح الأمور وصمتها الجميل حين الرحيل .. وددت لو أخبرتها بحقيقتي لأني أعلم أنها ستعرف ذلك عاجلاً أم آجلاً .. لا أريد خسارتها الآن بعد اللقاء الرابع أو بالأحرى الخامس، ما زلت تواقاً للمزيد منها على الرغم من أني لا أدري ما الهدف من كل هذا. بعد أسبوعٍ آخر، كنت أقضي كل ليلة بين الرفوف وأبحث عنها، لا إرادياً، لعلي أراها، لم أتزحزح عن كتب الفن، أشعر بأن حديثاً لنا سيجيء ليكملها، كنت أقرأ أربعة كتب دفعةً واحدة وأضع بينها من أوراق الأشجار علامة لي في محاولةٍ للتركيز على القراءة لا على الحديث. بعد اليوم العاشر فقدت الأمل تقريباً، وبينما أنا جالس في مكاني أقرأ عن فن الزخارف الإسلامية وجدتها فوق رأسي، بيديها كوبان من القهوة. - دعوت يسوع أن أراك .. وها أنت ذا. - لو لم أكن هنا؟ - لضاع ثمن القهوة في معدتي. جلست في مكانها ومدت لي الكوب. - ماذا تقرأ؟ رفعت لها الكتاب - الزخارف؟ - وأنا في الإسلامية. - جيد .. الزخارف الإسلامية موضوع جيد. - هل لكِ اطلاعٌ عليه؟ - أنا أحب الفن الإسلامي كثيراً. - جيد. - اكتفيت بالقراءة والصور في الكتب. لأني حين قررت أن أراها جهرةً لم يسمح لي بدخول المساجد. - لماذا؟ - لا أدري، ربما لأني لا أرتدي هذا الذي تلفه النساء حول رؤوسهن. لكني حقاً تمنيت الدخول إلى أي مسجد بعد محاولاتي اليائسة في دخول المسجد الكبير هنا، تخيل! كنت أراقب النساء كيف يلبسن هذا الشيء، واشتريته وحاولت أن أمشي مثلهن إلا أن التي تقف على الباب لم تسمح لي، حفظتني! - يسمونه الحجاب. - الذي يضعه النساء؟ - نعم. - جيد، عرفت اسمه الآن، هل دخلت المسجد الكبير؟ - لا. - كيف لم تدخله! إنه أكبر مساجد فرنسا. - لا أعرفه أصلاً! - هاتِ الكتاب. تصفحته بسرعة وتوقفت عنده. - خذ، انظر إليه، كم هو مهيبٍ وفاتن. تركتني للحظةٍ أتفحص الصور، ثم قالت: - المشيدون له كانوا من الـ .. شيء فيه حرف الجيم. - الجزائر. - صح، الجزائر، وأظن أن هذا ما يميز هذا الفن، أن لكل دولةٍ أسلوبها. إلا أن جوهرها واحد .. وهو الدين الإسلاميّ. - الزخارف الإسلامية متشعبة كثيراً، تحتاج إلى دراسةٍ وفهمٍ عميقين. - أظنها تحتاج للإحساس فقط، وربما هي الإحساس نفسه. - كيف؟ - حين تنتقل بك من الضيق والمكتظ إلى الرحب والواسع بطريقةٍ سلسة لا تشعر معها بالانتقال، ولما تستخدم ثلاثة ألوان أو أربعة بمعانٍ مختلفة في كل مرة .. استخدامها أيضاً للخطوط الهندسية بعلاقاتها الصعبة، جعلها بسيطة جداً بإضافة الزهور والنباتات أو حتى من دون إضافة، قدرتها على خلق الأحاسيس المختلفة بمجرد النظر لها تجعلك تفكر كم هي قادرة .. كنت أستمع إليها وأفكر في ما إن كانت هذه المرأة، حقاً، قد درست كيمياء المختبرات، لأن هذا الكلام لا يخرج عن هاوٍ. أكثر ما أحببته في حديثها حين تشرح لي إحساسها، تشعر بها تحس الشيء بحق، تتركه يعبر فيها وليس فقط ينقل لها الشعور المفترض عليه نقله للناس، كنا قد نسينا أمر القهوة فشربناها باردة، بعد خروجنا قالت لي «شكراً لك، أنا حقاً أستمتع حين أتحدث معك هكذا لساعات. تعرف: يصعب إيجاد أشخاص مثلك يشغفون بالتحدث عن التاريخ والفنون المختلفة من دون أن ينظروا للوقت» .. شكرتها بدوري على الحديث والقهوة الباردة. سألتها إن لم يكن لديها مشكلة في العودة في هذا الوقت المتأخر من الليل. - لديّ دراجة! ـ مدونة خولة https://zanpakiya.blogspot.ae
#بلا_حدود