الاثنين - 27 سبتمبر 2021
الاثنين - 27 سبتمبر 2021

الفساد مرض لعين

أعلن الشعب المصري بثورة 25 يناير 2011 كالبركان الثائر، معلناً رفضه الاستسلام للعديد من السلبيات التي أجهدته وأفقدته صوابه واتزانه على مدار أكثر من 30 عاماً، هي فترة حكم الرئيس الأسبق محمد حسني مبارك، مطالباً بالحرية والعدالة الاجتماعية والحياة الكريمة. واستطاع المصري أن يعبر عن رأيه بأعلى صوته لأول مرة منذ سنوات دون خوف من القمع السلطوي وسياسة تكميم الأفواه، فلم يعد يخشى العقاب لأنه على حق، ولا يريد غير حرية وحياة كريمة له ولأسرته ولأهل وطنه. كان من أبرز تلك السلبيات انتشار الفساد وتوغله في كل مؤسسات الدولة وكان لابد من التخلص منه، فتعالت الأصوات عقب قيام الثورة منادية بضرورة الكشف عن الفساد والمفسدين وتتبعهم في كل مكان، وتطهير مؤسسات الدولة من فسادها. وكان لابد من البحث عن الأسباب الرئيسة التي أدت إلى انتشار هذا المرض السرطاني اللعين، والذي اكتشفنا أنه قد يكون بسبب الفقر والمرض والبطالة ومذلة الاحتياج، وقد يكون بسبب فساد الأخلاق وخراب الضمائر وضعف الوازع الديني، ورغم أن توافر سبب واحد من تلك الأسباب لدى أحد الأشخاص كفيل بأن يصنع منه فاسداً صغيراً، يتوحش بمرور الوقت ليصبح من أكبر رؤوس الفساد في الدولة، وخطراً كبيراً يهدد استقرارها وأمنها ونهوضها، إلا أنني أرى في فساد الأخلاق السبب الأقوى لانتشار هذا المرض الخطير، فقد يكون إنساناً فقيراً لكنه عفيف، وقد يكون مريضاً ولكن يأبى أن يكون علاجه بالمال الحرام. وكما يُعتبر فساد الأخلاق من الأسباب الأكثر أهمية في انتشار آفة الفساد في المجتمع، فإن الفساد الإداري الحكومي هو أخطر نتاج لهذا الفساد، لأن ممارسته تساعد على نشر ثقافات فاسدة تصبح بمرور الوقت جزءاً من قيم العمل الخاطئة مثل عدم احترام وقت العمل، إفشاء أسرار العمل، سوء استعمال السلطة، الوساطة والمحاباة، الانحرافات المالية والرشوة والاختلاسات وإهدار المال العام، ولكي نواجه كل ذلك فلابد من تقوية أنظمة المساءلة والرقابة في الدولة، والتركيز على وضع العقوبات القانونية الرادعة لمعاقبة المنحرفين، تطوير الإجراءات والنظم الإدارية الخاصة بإدارة الأعمال واختيار العاملين، التركيز على العامل البشري، فالمواطن هو الغاية، بالإضافة إلى تحسين الوضع الاقتصادي والحياة الكريمة لأبناء المجتمع، وتفعيل دور المؤسسات التربوية بكل مراحلها من أجل خلق قيم وسلوكيات تؤثر على أهمية العمل والكسب الشريف وبيان عواقب الفساد، تفعيل الجوانب الروحية والدينية التي تشجع على الاستقامة والسلوك الجيد. وإذا قُمنا بتحليل الشخصية المصرية فسنجد أنها ليست بالسيئة، ولكنها من الشخصيات الأكثر تفاعلاً مع الأحداث، فمع كل حدث تطفو على السطح شخصية جديدة بسمات جديدة، فتجدها مع النصر والنجاح إيجابية جداً، ومع الانهزام فهلوية، ومع الثورات تجدها ثورية، ومع الفوضى فوضوية، ولذلك نجد أنه ما إن قامت ثورة 25 يناير وما صاحبها من تغييرات كثيرة وسريعة، إلا وطفت على السطح العديد من الصفات المذمومة، حيث غلبت بذاءة الألفاظ والعصبية الشديدة على التعاملات بينهم، بالإضافة إلى الكذب والغش وخيانة الأمانة وانتشار الرشى والاختلاس، وفي ظل عدم إمكانية الرقابة والمتابعة من قبل الدولة على مؤسساتها في تلك الفترة، استطاع هؤلاء المفسدون تكوين شبكات من الفساد داخلها انتشرت بشكل مَرضي حتى كاد الصالحون يختفون. إذن .. المسؤولية الأكبر لتفادي السلوك السيئ الناتج عن أي تغييرات مجتمعية تقع على المجتمع، فليتنا نهتم بتربية النشء تربية صحيحة، ونزرع بداخلهم الحب والإخلاص في العمل، وضرورة المراقبة الذاتية التي تقوم على مبادئ الأخلاق.
#بلا_حدود