الاحد - 19 سبتمبر 2021
الاحد - 19 سبتمبر 2021

حب الوطن فطرة أم اكتساب

حب الوطن فطرة أم اكتساب؟ غريزة أم صناعة؟ القرآن يؤكد أنه غريزة في أكثر من مشهد، لعل أولها دعاء الخليل إبراهيم للبلد الحرام بقوله (رَبِّ اجْعَلْ هَـذَا الْبَلَدَ آمِنًا وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَن نَّعْبُدَ الأَصْنَامَ) فالخليل يطلب الخير والعطاء لبلده ووطنه، يطلب سعة رحمة الله، تلك الرحمات ذاتها التي طلبها النبي الكريم (صلى الله عليه وسلم) حين رفض الدعاء على قومه قائلاً «لعل الله أن يخرج من أصلابهم من يقول لا إله إلا الله». في مشهد بليغ ترق له القلوب، وتنساب له الدموع .. قوم يؤذون رجلاً من بينهم، عزموا على إخراجه، ساموه سوء العذاب هو وصحبه، سخروا منه مراراً، أذاقوه لباس الخوف والجوع تكراراً، حاصروه هو وقبيلته بلا ماء ولا طعام، بالغوا في سبه ولعنه، مرة يقولون ساحراً، وأخرى يقولون شاعراً، وثالثة يقولون كاهناً، ورابعة يقولون مجنوناً، وخامسة وسادسة ومئة .. لم يزده الأذى إلا حلماً، ولم يزده البلاء إلا صبراً، فلما أزفت آزفة الخروج، لم يراع الجميع إلا عبرات ذكية تسكب، وكلمات ندية يمزقها الحزن وسط نظرات محفوفة بالشوق «والله يا مكة إنك لأحب بلاد الله إلى الله، وأحب بلاد الله إلى قلبي ولولا أن أهلك أخرجوني منك ما خرجت». كلمات ينبض كل حرف فيها بالحب وتمني الخير، خرجت من فم مظلوم ضن عليه وطنه بالعيش الكريم، وضيقت عليه سُبل العيش والحياة، مع أنه ما جاء إلا بالخير والحق والعدل، سمو في الرسالة تقابله دناءة في الرد وقسوة في الحكم وضعف في الفهم والتدبر. وتمر الأيام تترا ليثبت النبي الكريم (صلى الله عليه وسلم) صدق حبه وصفاء جنانه، ليقبل صلح الحديبية حرصاً على أمن بلده، وليدخلها فاتحاً لها بعد سنوات عجاف طال أمدها، يدخلها سراً لئلا تراق الدماء، فلم يعُد إلى مكة منتقماً، بل رؤوفاً رحيماً باسطاً يد المحبة والسلام في كلمات خرجت من ذات مشكاة كلمات الحنان التي قالها حين خروجه، ليقول حين دخوله «اذهبوا فأنتم الطلقاء». أي رحمة تلك، وأي حنان هذا، وأي انتماء وولاء ذاك للوطن؟ إنه حب المخلصين وإخلاص المحبين، حب فيه أنين، ولكنه أنين الشوق والوله لا أنين الشماتة والطمع، أنين العاشقين لا أنين المغرضين والسفهاء الذين يتصيدون المصائب للوطن، ولا يتورعون عن إعلان شماتتهم في مصائب وطن بني جنسهم، لا أقول وطنهم، فليست الأوطان بمحل للشماتة عند بنيها في أسوأ الأحوال. والذين يبررون تلك الشماتة بأنهم ليسوا أنبياء، وأن النبي (صلى الله عليه وسلم) كان محباً لوطنه داعياً لأنه نبي معصوم، إذن فماذا تقولون في رجل ليس بنبي، بل هو من أبناء عصرنا، عانى ظلم العنصرية، ولبث في السجن ما يزيد عن ربع قرن، سامه بنو قومه سوء العذاب هو وأتباعه، ثم خرج من السجن معلناً بناء الدولة، مستبدلاً ثقافة «إما .. أو» بثقافة «معاً»، إنه نيلسون مانديلا، ذاك الرجل الذي شيد صرحاً عالياً للقيم والمبادئ تتعاقب الأجيال دراستها، وتتوارث روعتها وبهاءها. ذاك هو الإخلاص الحقيقي للوطن، والحب الحقيقي لتراب الوطن، أتمناه في أرفع مكانة على يد من يكون، الشخص لا يهمني بقدر ما تشغلني رفعة هذا الوطن وتحقيق نهضته، أما أن يتصيد بعض المرجفين هنات الوطن وأناته ليعلنوا شماتتهم الحقيرة على الملأ، وليشهروا سيف حقدهم في وجه الوطن، فلعمري هذا أخس دركات الانحطاط الأخلاقي، إنها أخلاق العبيد لا الأحرار، التافهين لا العقلاء، المرجفين لا المخلصين. نعم، لن تؤثر تلك الشماتة على مسيرة الوطن، لن تقدم أو تؤخر، ولكنها فقط تفضح النفاق وأهله، تُظهر الوجوه على حقيقتها، تسقط الأقنعة التي توارت خلفها الوجوه، ليمضي الوطن في مسيرته، وسط أمواج تتقاذفه من كل مكان، ووسط صعوبات وعراقيل تعترض طريقه، لكن المسيرة أبداً لن تتوقف، ولن تزيد المحبين إلا إخلاصاً في العمل وحباً للوطن، ولن تزيد الشامتين إلا حسرة في قلوبهم وندماً يقضي على أبدانهم، وحزناً يقض مضاجعهم، لأن أي نجاح للوطن يعمق جرحهم ويكشف سوءاتهم ويزلزل الأرض من تحت أقدامهم. لقد فات أوان النداء بذوبان أولئك الأقزام الشامتين في النسيج الوطني، لا يشرف الوطن أمثال هؤلاء، لأن الوطن لا يريد الأجساد من دون القلوب، وتلك القلوب قد استشرى فيها الفساد وكراهية الوطن، فأنىّ لهم بالعودة للوطن وهم لم يتركوا فرصة تمر من أنات الوطن إلا وتهكموا وسخروا وشمتوا وسبوا وقذفوا، وكأنهم أعداء للوطن لا أبناء له، وهم بحق كذلك، ولا عجب لأن مدينة النبي (صلى الله عليه وسلم) كان فيها المنافقون الذين يعيشون على أرضها ويأكلون من خيرها ويخفون في صدورهم ما لا يبدونه، فإذا كان هذا في حياة النبي الكريم (صلى الله عليه وسلم) فما بالك بنا وقد طغت علينا المادة والنفعية والنرجسية، وتحكمت فينا الأهواء، وتنازعتنا المصالح الأنانية. إن الشماتة في الوطن خيانة لله ولرسوله وللوطن، وللذين يشمتون في أوجاع الوطن وهموم أبنائه لن نزيد على قول شاعر النيل: اصبر على كـــــيد الحســـــود فــــــــــإن صـــــــــــــبــرك قـــــاتلــــه فالــــــنــار تأكـــــــل بعضهـــا إن لـــــم تجـــــــــــــد مــــا تأكلـــــه
#بلا_حدود