الاحد - 26 سبتمبر 2021
الاحد - 26 سبتمبر 2021

دراسة مصطلحية لـ «التغيير» في القرآن الكريم (1ـــ 2)

لا غرو أن الوحي نسق من المفاهيم، ولا سبيل إلى فقه هذا النسق أو المفاهيم المكونة له بغير دراسة ألفاظ ومصطلحات القرآن الكريم. فالدراسة المصطلحية لألفاظ القرآن الكريم هي مفتاح الوصول إلى ما نزل على الرسول صلى الله عليه وسلم. وتطلق الدراسة المصطلحية ويراد بها: ذاك البحث في المصطلح ـ القرآني ـ لمعرفة واقعه الدلالي من حيث مفهومه وخصائصه المكونة له وفروعه ـ أي اشتقاقاته ـ المتولدة عنه ضمن مجاله العلمي المدروس به. وبصورة أكثر توضيحاً .. هي استخراج اصطلاحات نص من نصوص علم ما وتحليل استعمالاتها، ثم تعليل معانيها، وتصنيفها بحسب شواهد النص نفسه، من أجل تعريف المفاهيم التي تدل عليها تلك المصطلحات. وجامع التعريفين: أن الدراسة المصطلحية لألفاظ القرآن الكريم هي إحصاء المصطلح شكلاً وحجماً واشتقاقاً، وجرد التراكيب التي ورد ضمنها هذا المصطلح، مع تعداد القضايا المندرجة تحت مفهومه. ومن المصطلحات التي تعدد ذكرها في القرآن الكريم، مصطلح التغيير. فهذا المصطلح اختلف مفهومه وتباين معناه بتباين مظانه في النص القرآني. إذ نجده تارة يفيد معنى باشتقاق معين، ونألفه تارة أخرى يستدل به على مدلول آخر باشتقاق مختلف عن الأول. ويحسن بنا قبل معرفة دلالة التغيير في القرآن الكريم، أن نعرف مدار مادة (غَيَرَ) ومعناها في اللغة. الدلالة المعجمية اللغوية للفظ التغيير: تدور مادة (غَيَرَ) في اللغة على أصلين هما: - إحداث شيء لم يكن قبله. - انتقال الشيء من حالة إلى حالة أخرى. فمن الأصل الأول: (غَيَّرَه): جَعَلَه غَيْرَ ما كَانَ. و(غَيَّرَه) حَوَّلَهُ وبَدَّلَهُ. ومن الأصل الثاني: (الغِيَر) أَي تَغَيُّر الحال وانتقالَها من الصلاح إِلى الفساد. وجاء في النهاية في حديث الاستسقاء (مَن يَكْفُرِ اللّهَ يَلْقَ الغِيَر) والغِيَر: الاسْم من قولك: غَيرَّت الشيء فَتَغيَّر. وفي حديث جرير بن عبدالله، أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول (ما من قوم يعمل فيهم بالمعاصي، يقدرون أن يغيروا فلا يغيرون، إلا أصابهم الله بعقاب) سنن أبي داود، كتاب الملامح، باب الأمر والنهي. قال الزجاج: معنى يغيرون، أي يدفعون ذلك المنكر بغيره من الحق. موارد لفظ التغيير في القرآن الكريم: وقد ورد مفهوم (التغيير) في القرآن الكريم في أربعة مواضع، موزعة على أربع سور مدنية النزول. بالاشتقاقات التالية: * (يُغَيِّرُنَّ) في سورة النساء الآية 119. * (يُغَيِّرُ) في سورة الرعد الآية 11. * (يُغَيِّرُواْ) تكررت في سورتين، الأولى في الأنفال الآية53. والثانية في الرعد الآية 11. * (يَتَغَيَّرْ) في سورة محمد الآية 15. ويقود التدبر العميق لكل موارد لفظ التغيير في القرآن الكريم إلى مجموعة من المعاني يمكن ترصيفها في الوحدات الدلالية التالية: 1- تغيير خلق الله: قال تعالى: (وَلَآَمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ) النساء/119. فهذه الآية جاءت في معرض حديثه تعالى عن غواية إبليس ـ لعنه الله ـ لعباد الله ودعائه إياهم إلى طاعته، وتزيينه لهم الضلالَ والكفر حتى يزيلهم عن منهج الطريق. ومن معاريضه ـ لعنه الله ـ أمره للعباد بتغيير خلق الله. وقد اختلف العلماء في هذا التغيير إلى أقوال، أبرزها: أ- تغيير دين الله: وذلك أن آية النساء تتناص مع قوله تعالى (فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ) الروم/30. وتغيير دين الله له وجهان: - الوجه الأول: أن الله تعالى فطر الخلق على الإسلام يوم أخرجهم من ظهر آدم كالذر، وأشهدهم على أنفسهم أنه ربهم وآمنوا به، فمن كفر فقد غير فطرة الله التي فطر الناس عليها، وهذا معنى قوله صلى الله عليه وسلم (مَا مِنْ مَوْلُودٍ إِلَّا يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ وَيُنَصِّرَانِهِ وَيُمَجِّسَانِهِ). - الوجه الثاني: أن المراد من تغيير دين الله هو تبديل الحلال حراماً والحرام حلالاً.
#بلا_حدود