الثلاثاء - 28 سبتمبر 2021
الثلاثاء - 28 سبتمبر 2021

عن المواجهة الفكرية للتطرف: «السراب» أهم ما قرأت (2 ـ 2)

من أهم المحطات المهمة في كتاب «السراب» مناقشة المؤلف لفكرة «الحاكمية»، حيث أكد أن غالبية رجال الدين يتفقون على أن هذا المبدأ لم يرد في أي آية في القرآن الكريم أو الأحاديث النبوية الشريفة، وهو يثير العديد من الإشكاليات المفاهيمية والفقهية لهذه التفسيرات محدودة الأفق وضعيفة المرجعية لبعض آيات القرآن التي تستخدمها هذه الجماعات الضالة، والتي تتعارض مع الآيات الأخرى التي تدعو إلى السلام والتسامح والحوار وقبول الآخر. كما أن تطبيق مبدأ الحاكمية بهذا المعنى سوف يؤدي إلى ظهور حكم ثيوقراطي مستبد (ديني مستبد) ويضفي نوعاً من القداسة على سلطة الحاكم الذي سيزعم عندئذ أنه يطبق شرع الله ويستمد أحكامه منه، وأعتقد أنه يستدعي في الذاكرة نظرية «الحق الإلهي المقدس»، وهي إحدى نظريات الفكر السياسي التي حاولت أن تبرر استبدادية الحكم الثيوقراطي باعتبار أن الحاكم هو خليفة الله في أرضه، ولا اختلاف أن تطبيق مبدأ الحاكمية بهذا المعنى يؤدي إلى جمود الفكر وانتشار التخلف في العالمين العربي والإسلامي. ثم ينتقل إلى مناقشة فكرة «دولة الخلافة» باعتبارها من أهم القضايا الشائكة في فكر الإخوان المسلمين، التي يعتبرونها البديل الوحيد للدولة المدنية، دون البحث في صيغة عصرية تناسب العصر وما توصل إليه البشر من تقدم إنساني وعلمي في مختلف الميادين، ويرى المؤلف أن فصل الدين عن السياسة والاقتصاد والاجتماع كان سبيل القارة الأوروبية نحو التقدم العلمي والارتقاء الإنساني، فالمدنية ليست كفراً أو إلحاداً، فالدولة المدنية قد تكون حلاً للعديد من المشكلات الاجتماعية والصراعات الطائفية والمذهبية. ويستند إلى رفض بعض الرموز الدينية مثل الشيخ الشعراوي ترشيح الأحزاب الدينية على أساس أن الوازع الديني دون حسابات العقل، معتبراً أن الدين لا علاقة له بالأحزاب التي تمثل الفكر السياسي لأصحابها وليس للمسلمين. وتوصل المؤلف إلى نتيجة مهمة وهي أن دمج الدين في السياسة يكرس الشقاق والفرقة بين المسلمين أنفسهم بمذاهبهم ومعتقداتهم المختلفة، وبينهم وبين العالم غير الإسلامي، ولذلك فإن بعض الدول العربية والإسلامية تعيش ظلامية جديدة تشبه ما حدث في أوروبا إبان القرون الوسطى. فالإشكالية الأساسية في معظم الدول العربية والإسلامية لا تكمن في العلاقات بين الدين والسياسة ولا في انفصالها أو ارتباطها بل هي بالأساس في توظيف الدين لخدمة السياسة. وفي نهاية الكتاب، حاول المؤلف أن يقدم رؤية استشرافية للمستقبل معتمداً على تحليله للمؤشرات والمعطيات السياسية الراهنة مثل فشل تجربة حكم الإخوان المسلمين في مصر، فمن المتوقع أن تبقى الجماعات الدينية السياسية على هامش الحياة السياسية في العالمين العربي والإسلامي خلال المديين المتوسط والقصير على أقل تقدير، ويرى أن عودة هذه الجماعة إلى صدارة المشهد السياسي يتوقف على شروط أهمها الإخفاق في إيجاد البديل الأفضل تنموياً الذي يخرج الدول من مشكلاتها التنموية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية المتراكمة عبر عقود طويلة من الزمن. ويبرر وجهة نظره بأنه في ظل الإمكانات المتاحة وتطلعات الشعوب إلى مستويات معيشية أفضل، وفي ظل التنافس الدولي على التنمية، فمن المتوقع أن تؤدي عثرات محتملة في بعض الدول إلى عودة هذه الجماعات إلى صدارة المشهد من جديد. والنقطة الأهم هنا، هي أن المؤلف قدم بعض الحلول التي يقترحها لمحاصرة هذا الفكر المتطرف وأهمها الانفتاح على الآخر بدلاً من الانغلاق ورفض الآخر، والتحرك نحو الحداثة والإبداع والابتكار والاجتهاد الفقهي الذي يجعل الدين باعثاً للنهضة وليس عائقاً لها. د. باحث في الشؤون السياسية
#بلا_حدود