الاثنين - 27 سبتمبر 2021
الاثنين - 27 سبتمبر 2021

حب السيطرة

قبل أن يلج الإنسان عالم المادة كان في عالم الفطرة، وفي ذلك العالم نشأ في وسط خالٍ من الأفكار، وسط مليء بالوئامية، فهو مرتبط بكل الحيوات هناك. وبين لحن التناغم والانسجام تمركزت أولى ذراته، وفي صمت كامل بدأت الانقسامات المتوالية التي نتج عنها خروج طفل من عالم واعٍ روحاني تماماً يراقبه العقل الفطري، أو الذكاء الطبيعي، إلى عالم يسيطر عليه العقل الأنوي. في حين أن الأم ظاهرياً مرتبطة بعالم المادة بحواسها وردات فعلها، وتبحث عن الأماكن المفتوحة لكي تستنشق الهواء، ويزعجها أن تبقى تحت الماء لفترة طويلة قد تشعرها بالاختناق، فالأم تستخدم العقل الأنوي المليء بالمنطق والأفكار لذلك هي تعيش العالم كبعد ثلاثي له كتلة واضحة، فإن طفلها يعيش في أضيق مكان ويغوص في سائل زلالي لكنه لا يشعر بالضيق ولا يغرق، فهو بعيد عن كل فكرة محسوسة أو لها قياسات مادية. الأبناء في عالم الأجنة لا يرون الدنيا كما نراها، فهم لا ينتمون إليها لا بفكرة العيش ولا بفكرة الموت، ولا بفكرة التملك ولا بفكرة الحرمان، الطفل يعيش بعقل لا يشعر بالمكان ولا يعترف بالمنطق، إنه العقل الخارق الذي يحارب المنطق في مكان ضيق مظلم ومليء بسائل لزج، فكيف يمكن لكائن يعرف المادة أن يعيش كالطفل في ظروف مماثلة؟ كثيراً ما نرى أبوين يوجهان طفلهما بطريقة تشكل ضغطاً نفسياً على عقله القابل للبرمجة، يغيران منهج الفطرة ويسببان خللاً في طبقات العقل، يجعلان الطفل يفعل ما يريدان ولا يهم إن كان الطفل حانقاً أو غاضباً أو متألماً. هذا الخلل الذي يسببه الوالدان في عقل طفلهما يسبب خللاً في الاتصال بين العقول الثلاثة: العقل الكوني، العقل الباطن، والعقل الواعي، حين يفْقدُ الاتصال فإن ذلك يقوي العقل الأنوي النفسي الذي لا يحب الاتصال بالعقل الكوني، فكل ما يريده العقل الأنوي هو الأنا التي تنشأ ضعيفة ثم تتقوى عبر الاتصال بالمادة. والعقل الأنوي يتقوى عبر تقوية الحواس وجعلها تعشق كل ما في المادة، في هذه الأثناء ينفصل الطفل عن فطرته، وعند الانفصال لا يعود ذلك العقل الخارق قادراً على العمل، فهو محجوب تماماً عن كل العمليات الفكرية التي يتم علاجها في منظومة العقل. يتغير المعالج ويصبح العقل الأنوي هو الجزء الوحيد من العقل الكلي الذي يعالج البيانات بأسلوب منطقي ومن خلال الحواس المادية. معظم أطفال العالم يخافون كثيراً بسبب ذويهم، ويعانون أيضاً للسبب ذاته، ويشعرون بالحرمان، هذه النداءات النفسية تجعل النفس تنمو في ظلمتها وتقويها يوماً بعد يوم، وعندما يكبر الطفل فكل ما سيفعله هو أن يخرج مكنون نفسه، وحينها سيكون هذا الطفل الذي أصبح أباً أداة ضغط على أبنائه .. طفل صغير أمامي وأنا أكتب هذا المقال، أمه توجهه بالضرب والإهانة لكي يأكل طعامه، فكيف سيعالج جسد الطفل هذا الطعام المليء بالألم والمعاناة؟ العقل كي يكون متوازناً يحتاج إلى بيئة سليمة، ولكي نصنع سلسلة وعي من جيل إلى جيل علينا أن نكون أكثر وعياً بكيفية تربية أبنائنا، فهل كلكم يفعل ذلك؟! أترك لكم مساحة جيدة للمشاركة والإجابة.
#بلا_حدود