الثلاثاء - 21 سبتمبر 2021
الثلاثاء - 21 سبتمبر 2021

مع حمد قلم

ذكريات جميلة لا أنسى تلك الأيام الخالية التي كانت أول أيامي مع القلم، نعم ما زلت أتذكر كيف كانت بداياتي مع القلم وحكاية تعرفي إليه قبل أن أدخل المدرسة. لا أنسى عندما كنت صغيراً فأمسكت أمي بيدي، وقالت لي: أتريد أن تتعرف إلى صديق جديد يسليك في الخلوة، ويكون بجنبك عندما تحس بالوحدة، فوافقت على الصداقة، وأتت بقلم صغير بحجم كف يدي، وأكبر من أصابعي، وقالت: أمسك به وصافحه، إنه صديقك الجديد تستطيع أن تعبر له عما بداخلك وتبوح له بأسرارك، فلا يخالفك في الرأي ولا ينسى ما تقوله ولا يخالف ما تأمره، أمسك به وعبر عما بداخلك كباقي الناس، فأنت حرٌ فيما تريد أن تأمره لينفذ أوامرك، فأنت سيده وهو عبدك. قلت يا أمي لكنني لم أعتد مصافحته وإنه غريب عليّ ودخيل علينا! قالت لا يا بني إنه صديق العائلة من عهد قديم، بيننا وبينه صداقة قوية وأسرار مكينة وتاريخ حافل بالإنجازات، فأنا تعرفت إليه عن طريق والدي، ووالدي عن طريق جدي.. فأجدادنا لا ينسون فضله علينا وعشرته معنا.. ارتحت قليلاً من كلام أمي، فقلت: لكن كيف أقول له ما أريد؟ قالت: ثق به فإنه موضع الثقة، عليك أن تضع يدك بيده وليحس شعورك ودفء حنانك حتى يبادر ويخط لك ما تريد.. انظر إلى أبيك كيف تعرف إلى القلم والآن لا يفارقه في أي حال من الأحوال، يصاحبه إلى كل مكان، فهو أعز صديق لديه وخير رفيق له في حله وترحاله.. ومن معزة القلم عند أبيك، أنه أبى إلا أن يضعه ويجعل له مكاناً في جيبه وبجانب قلبه ليسجل ما في قلبه ويدون ما في فكره، ألم ترَ أن بريق قلم أبيك يدخل علينا قبل دخول أبيك إلى البيت؟! هذا من حب أبيك للقلم! بل لا يخلو سفر من أسفار أبيك إلى الغرب أو الشرق إلا ومعه قلمٌ جديد ليقول مفاخراً هذا القلم من تلك الماركة أو من بلد فلاني، ومن أجل عيون القلم يرخص كل شي عنده، وهو مستعد أن يشتريه بأغلى الأثمان وفي أي زمان أو مكان. تشوقت قليلاً .. تركتني أمي لأخلو بالقلم لكي آخذ راحتي معه وأعبر له ما بداخلي، وشعرت بنوع من الاستقلالية، فأمسكت القلم بكل قوة وحاولت أن أرص به على الورقة، فإذا بالرصاص الذي في القلم ينكسر، حاولت أن أعمل شيئاً ليكتب القلم، لكنه كيف يعبر وليس لديه لسان. هرعت إلى أمي فقلت: «ماما ماما، انكسر القلم ولا يكتب»، ردت أمي علي ضاحكة: «زعل منك القلم لأنك تعنفه، فهو لا يحب الشدة..»، فأخذت مني القلم وجلبت برّاية من رف الغرفة وبرت لي القلم ثم قالت: أمسك به وعامله بلطف حتى يساعدك ويتعاون معك. فأخذت منها القلم ورجعت إلى ورقتي جاهداً أن أكون دقيقاً ولا ينكسر القلم، أمسكت بالقلم وبدأت أخط بأناملي الصغيرة خطوطاً تعبر عن وجهة نظري مع أنها غير مفهومة لغيري، وكانت هذه أول خطوط رسمت أفكاري ونتاج مخيلتي. ابتعدت أمي مرة أخرى لتأتي بمصحفها وإذا بصوت شجي.. تبدأ بسم الله الرحمن الرحيم (ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ) القلم-1، هنا عرفتُ أن للقلم قيمة لا تُحصى ومكانة عظيمة في العقيدة، فلماذا أقسم الله بالقلم؟ ولماذا القلم ثم الكتابة ثم القراءة؟ إنه منهج كل أمة ناجحة، وسبيل كل من له هدف وغاية.. نظرت إلى قلمي وابتسمت ثم بدأت بالكتابة حتى تعودت يدي على القلم رويداً رويداً وحن قلبي عليه.. حتى صار القلم جزءاً مني وقريباً من قلبي.. لا يفارقني ولا أفارقه ولو للحظة، وهو دائماً معي أينما كنت.
#بلا_حدود