الثلاثاء - 28 سبتمبر 2021
الثلاثاء - 28 سبتمبر 2021

كأن شيئاً لم يكن

في مسلسل ارتبط اسمه بقدسية الجنة، والذي يتوقع أن يدل محتواه على كل ما هو دال على طريق الخير والصلاح، وجد الكثير من الأخطاء الفادحة والثغرات التي لم يمكن التغاضي عنها أو عدم ملاحظتها، وذلك نظراً لتجسيده لواقع مقنّع لا يشبه أبداً ملامح وواقع مجتمعنا الشرقي، والخليجي تحديداً، لما يتمتع به من تلاحم أسري واجتماعي، وتمسك بالموروث العقائدي والديني. فكان من الخطر تسليط الضوء على مواضيع سلبية ونادرة الحدوث في المجتمع من دون إلقاء الضوء إما على الحلول أو العواقب، وبالتالي تكريس هذه المواد الفيلمية لخدمة تلك الظواهر لا محاربتها، حيث تعدّ المسلسلات الضيف المرحب به في كل البيوت وفي كل الأوقات، والمتمتعة بشعبية واسعة تمكن صانعيها من استغلال الإقبال عليها من توجيه الرسائل الإصلاحية ومعالجة القضايا الحيوية، أو على الأقل التوعية بحذر كي لا يقع الطرح في فخ التكريس للظواهر بدلاً من معالجتها والحد منها. الأخطاء الإخراجية كثيرة والتي تتراوح ما بين المبالغات في بعض المواقف وتسطيحها في البعض الآخر، ولكن سألقي الضوء على أخطاء سياق معالجة واحد من أخطر المواضيع ألا وهو «الزواج السري»، فعندما تتم معالجة حالتين من الزواج السري بطريقة، كأن شيئاً لم يكن، فهي إذن دعوة لجميع المقبلين والراغبين في الزواج لسلوك هذا الطريق المختصر، والذي يخلو من أي معوقات أو عواقب، أو هذا ما صوره سياق المسلسل. فالمشكلة لا تكمن في الطرح، وإنما من المعالجة التي تصور بأنها مقبولة اجتماعياً. فإلى الآن، لم أستطع استيعاب برود رد فعل الأم وتقبلها لخبر زواج ابنتها السري والذي لم يتم - كما يقال- على سنة الله ورسوله عليه الصلاة والسلام، والذي ينص على وجود الولي لإتمام وتشريع الزواج لمن لم يسبق لها الزواج، إنما تم فقط ما بين الفتاة وما صوِّر أنه زوجها الشرعي، ولم تكتفِ الأم بمعرفته مصادفة، وإنما بتقبله والدفاع عنه وعن الحمل المتوقع منه باعتباره زواجاً قائماً، والاكتفاء بتوجيه صفعة حارة لابنتها! فإن كان زواجاً قائماً كما صورته لنا الأحداث، ومقبولاً من دور الأم وبالتالي من دور المجتمع المتمثل بها ضمنياً، فلمَ تسترت الأم عليه أيضاً، ولم تشارك خبر الزواج أعز صديقاتها في المسلسل (والتي تمثل هي بدورها جانب المجتمع الوحيد المتفاعل مع هذه العائلة فعلياً). وهل كان من المقبول اجتماعياً أو دينياً أو حتى إخراجياً تلقّي مشهد مصادفة أخرى، يعلم بها باقي أفراد الأسرة عن زواج أختهم - الموجودة بينهم، وليس في منزل الزوجية - كأن شيئاً لم يكن؟ هذا إن لم يكن المقصود علمهم ضمنياً بهذا الزواج والتغاضي عن تصوير مشهد خاص لهذا الموقف، وذلك لتحاشي تناقض الأحداث لمشهد يتطلب الصرامة والغضب، كأقل رد فعل يذكر. وتستمر الدراما البوليوودية بتقبل أحد معارفهم بزواج الفتاة السري بمصادفة ثالثة، وإشرافه على إجهاضها من زواجها السري بمصادفة رابعة! واستعداده للزواج منها كأن شيئاً لم يكن، وكأنما يقدم هذا الزواج ونتائجه على طبق من ذهب للراغبين فيه أو للباحثين عن أسهل الطرق وأقصرها للارتباط، من دون تسليط الضوء على أن في نهاية هذه الطريق أبواب جهنم وليس نسائم الجنة كما صوِّر لنا. وتكتمل الأحداث بتبسيط العواقب والاستخفاف بكينونة الزواج ألا وهو تكوين الأسرة، ليتم معالجة كلا الزواجين الواردين في سياق المسلسل بإجهاض الجنينين الناتجين عنهما، وإنهاء الزواجين سراً أيضاً، كأن شيئاً لم يكن، أو هذا ما ورد كحلول مقترحة! فهل هي إشارة لانتهاء زمن الرجولة والمبدأ؟ أم هي محاولة لتبسيط جرم في حق الدين والأسرة والمجتمع؟ أهذا هو مفهوم الزواج الذي نود زرعه في الجيل الجديد، وأعني به المرحلة السنية التي تفتقر لمقومات التفريق بين الصواب والخطأ؟ وهل أصبحت ضرورة الدراما تبيح المغالطات والمبالغات؟ إن كانت هذه الحالات موجودة في المجتمع، فهي بلا شك حالات نادرة ولا ترقى في رأيي لمستوى الظاهرة المستحقة للطرح على مدى ثلاثين حلقة، ناهيك عن عواقبها الوخيمة التي لم تذكر قط. فكان من الأجدر معالجة ظاهرة العنف الأسري الذي لم يتجاوز عرضه دقائق معدودة بدلاً من الإسهاب في تفصيل المبتذل على أنه جميل! ما ذكر ليس تجسيداً لواقع مجتمعنا المحافظ، ولا نود أن يكون كذلك في يوم ما.
#بلا_حدود