السبت - 31 يوليو 2021
السبت - 31 يوليو 2021

مرابع الطفولة لن تنزاح عن رفوف الذكريات

نحنُّ للذكريات فنذهب إليها لأنها بيتنا الأول تسكن فيه روحنا النقية الأولى قبل أن تقلبها الأحوال وتوجهها السنون في منافذ شتى، ولو قدر للإنسان الاختيار ما بين طعم حياة الذكريات المبكرة وما بين نكهة الحاضر أو المستقبل لَاحتار هل ينحاز إلى ما خبره وعاشه أم ينتظر ما سيأتي، لكن الحقيقة أن كلاً منا يذهب إلى المستقبل مزوداً بالذكريات التي تحصنه من السقوط في الحفرة نفسها، وبعضنا يتخذ ذكرياته قارب نجاة كلما واجهته الحياة بمصاعبها وتياراتها المتقلبة قفز فيه وأبحر إلى الأماكن التي يستلذ العيش فيها. ويبدو أن هذا ما تدعونا إليه الدكتورة حنان طالب في مقالها المنشور في صحيفة «الرؤية» يوم 15 مارس الجاري بعنوان «ابحثوا عن بيت الطفولة»، وعلى الرغم من أننا لم نتقابل في الحياة، لكن يبدو أن أفكارنا قد تقابلت في ملتقى الفكر عبر صحيفتي المفضلة «الرؤية»، فقبلت دعوتها عبر مقالها الذي هو بمثابة القطار الذي يحمل العشاق إلى مهد الطفولة؛ إذ يمر بالقرب من كل من يقرؤه ليصعد إليه فيأخذه خياله إلى منى الأمنيات وجميل الذكريات؛ فيعبر الزمان ويجعله ساعة تغمره فيها الفرحة بأجمل الأمكنة في مرتع الطفولة؛ فيظل واحدنا ساهراً يناجي قمر المسرات، ويجعل الأفق متسعاً للأحلام بين أصدقاء الطفولة الذين تركوا ألعابهم وضحكاتهم عالقة في لب الروح، يعود إليهم واحداً واحداً ويفرك صورهم بالنور حتى تبيض وجوههم من جديد. إذا كانت الحروف لا تستطع اختصار الزمن، فإن حروف الصدق في مقال الدكتورة حنان أضاءت مساحات جميلة في نشأتها، فصدحت كلماتها لتحملنا معها إلى موطنها، وها أنا أعجن الألفاظ بمسك معانيها، آملاً أن يفوح نسيم شذاها، وتسطع رائحة عبقها بعدما وزنتها بمعيار الفصاحة لأفضي إلى قلوب كل العاشقين لأوطانهم ما تفضيه الأفئدة الصافية صفاء النبع وبهاء الطبع إلى أسرة مساحتها وطن. وها أنا أشاركها الرأي عسى أن يعاود كل منا ذكرياته إلى مهد صباه، ليجد شعاع نور ينبع من الوجوه في مشهد يطرزه حريراً على جسد التضاريس. وهذا يؤكد أن لكل منا موطنه الأجمل الذي لا يشبهه سواه، وها هي الدكتورة حنان ناداها مهد طفولتها، فكتبت مقالها بفم يقبّل وجه الحياة، وبقلم تحمله يد لا تعرف الارتجاف فيممت وجهها باتجاه شمس الطفولة، وما كان من فكاك لروحها إلا أن حلقت بنا إلى هناك، وإن كانت لم تجد أحداً في انتظارها، ووجدت البيوت القديمة سكناً للأغراب، وحبيبات الطفولة اللواتي ذهبت من أجل الفوز بلمحة من عيونهن تبخرن جميعهن في نشيد الزمن الضائع، ووجدت البيوت وقد تصدعت كما ارتسمت التجاعيد على الوجوه. لم تتمالك نفسها فحضنت جذوع شجرة اقتلعت كانت تلهو فوقها مع الصديقات، فهفهفت الأوراق في أشجار قلبها بعد أن رأت نساء قد ارتفعت هامتهن ونصعت جباههن وصارت أعناقهن جدائل نخل باذخ، فبدا ما تراه شلال حلم يغفو عند رمش موجة، وأصبحت منقسمة إلى حياتين حياة الطفولة واللهو والبراءة، وحياة المهندسة التي تعيش في قصرها ملكة، وكلتاهما تكملان شخصيتها، فأثارت شجوننا بهندستها ـ بما أنها مهندسة ـ لفسيفساء فرحة قلبها الممتدة عبر امتداد جغرافيا موطنها وتضاريسه الاجتماعية والثقافية. ورغم أن مرابع الطفولة لن تنسى ولن تنزاح عن رفوف الذكريات فها أنا أكتب والزمان في مصرنا الحبيبة ضاحك، والأرض عروس والسماء مزدهرة، والأغصان لدنة والأشجار وريقة والرياض معشوشبة، وابتسامة شعبها لا تشبهها ابتسامة؛ لأنها ببساطة شديدة من صنع مصر، والزمن إلى أمام ولا عودة إلى وراء. ومن هذا المنطلق أدعو الله العظيم رب العرش الكريم أن تستقر أوطاننا، ولاسيما سوريا الشماء، واليمن الأبي الحر السعيد، والعراق المشتق من العراقة، وليبيا العروبة، والصومال الشقيق وغيرها من البلدان، وأن تضع الحروب الدائرة فيها أوزارها، وأن تتجدد في شرايين حياة أبنائها حياة أخرى أكثر استقراراً وأمناً، وأن تغسل عيونهم بدموع الفرح بعد أن ترفع عنهم الخطوب والمدلهمات التي ألمت بهم؛ فيلبوا دعوة الدكتورة حنان، ويعود كل منا إلى مهد الطفولة لينشد لحن البراءة في بيت الذكريات.
#بلا_حدود