الثلاثاء - 21 سبتمبر 2021
الثلاثاء - 21 سبتمبر 2021

يوم حقيقي

كانت مظلمة حالكة السواد .. لا شيء يوحي بنهاية لهذا الظلام. لم يعد يعرف إلى أين يتجه، هل يعود أم يواصل؟ ويا له من قرار، لو عاد لأحس بالعار والهزيمة والخجل حين يعود خاوي اليدين .. ولو واصل لأحس بالخوف من عدم الوصول وعدم القدرة على العودة .. توكل على الحي الدائم وواصل المسير. يناديه خيال في ذاكرته كم توهم أنه هو .. ويا له من وهم مغرور كاذب لا وجود له .. وهْم الكمال، وأنه أفضل الجميع، والصحيح دوماً، ولا مجال للخطأ في تفكيره، كم كره هذا الإنسان في دواخله .. فلم يعدّه إلا غروراً ووهماً وظنوناً. لم يستجب، وقاوم هذه المشاعر التي تشده بقوة نحو الماضي وتلك الأحلام الكاذبة .. وبدأ ببطء يستجيب لذلك الصوت في داخله الذي يعده كل الصدق .. وكل الواقعية، وكل السلام، وكل الحب .. أطلق تنهيدة من أعماقه وهو يقول (ياااااااه .. لأول مرة أحس بأنني أنا .. إنها أول مرة ألمس فيها دواخلي، ويا لها من راحة وسلام أحس به في ضميري. لأول أحس كم كنت أكره هذا العالم، ولأول مرة أحس أن العيب ليس في هذا العالم .. بل فيَ أنا). سمع صوت ضحكات عالية داخله وكأنها تسخر منه .. (يالك من واهم، فشلت في ما تريد، وتراجعت عن أحلامك واهماً أنك مخطئ .. لست مخطئاً ولكنك ضعيف.. ضعيف جداً). وفي لحظة تحول كل هذا السلام إلى جحيم مستعر في أعماقه .. وتبدلت هذه الطمأنينة في نفسه إلى صراع ونزاع داخله.. وقف مكانه، ورفع رأسه ينظر إلى الأمام تارة .. وتارة أخرى إلى الوراء. ضغط على أصابعه ومضى متردداً إلى الإمام، وهذه السحابة العكرة تتلاشى ببطء من عقله .. أدرك الحقيقة أخيراً. إن معركته ليست مع هذا العالم، بل مع نفسه .. وضع يده أمام وجهه وهو يحجب الضوء الذي وقع على عينيه .. تهللت أساريره مع رؤية ذلك الضوء، ولم يلبث أن تلاشى .. صار يصيح بلا وعي (أنا صحيح، أنا صحيح، لأول مرة أنا صحيح) .. وأخذ في البكاء. ومع كل دمعة يزداد ارتياحه وسعادته .. ولكنه عرف أن الطريق ليس بسهل كما اعتقد.. قطّب حاجبيه وكأنه يحبس هدا الشعور العجيب الذي أحس به لأول مرة في حياته .. وواصل المسير.
#بلا_حدود