الاثنين - 27 سبتمبر 2021
الاثنين - 27 سبتمبر 2021

حيرات الصفر (2 - 2)

فـضـاء داخـلـي مبدأ «الكارما» (الفعل ورد الفعل) يقتضي أن كل عمل نقوم به خيراً كان أم شراً، إيجاباً أم سلباً، في مفهومه الزمني يقف لنا بالمرصاد، هو منصة المقاضاة لعلاقة السبب مع النتيجة، لذلك يأتي الرد (حسب ما يتطلب) بشكل فوري ومؤتمت: إن «ما تزرعه تحصده»، فالزراعات الجيدة صداها دوماً قريب. أما إذا حدث العكس وما لا يحمد عقباه، فإن الزمن هنا يتصف بالصبر وطول الأناة، يطوي قوانينه تحت جناح رحمته ليمنح فرصة لمن يَشذ وينحرف عن سواء السبيل كي يُراجع ذاته ونزق أوهامه، ويعالج أمراضه الدنيوية الموبوءة بأكسير الحق والخير. لذا تراه مرةً إثر مرةٍ يقوّم خطواتكَ ذات اليمين وذات اليسار لتستقيم أموركَ وتصبح جديلةً مع إيقاع «الصفر» المكتمل. إن أفلحت قابلك بالفلاح، وإن أخفقت فبئس الحصاد. أما المكان.. بل «الأمكنة» وهو جمع بصيغة المفرد. الأرض المكان الصلب، والفراغ المكان الشفاف، والسماء المكان الأخَّاذ.. كلٌّ على حده يدلي بقوانينه التي تعكس قوانينك أنت. نعم أنت: كما تفكر كذلك يكون، وكما تُخاطِب تُخاطَب.. وكما تَرى تُرى.. «المكان» هنا هو إقرار الحق هناك، هو الحجة عليك و«الشاهد المرآة» الذي ينبض بنبضك ويروي كل تفاصيلك وأنت غافلٌ عنك. كل ما تقوم به يختزنه التراب والماء والأثير والهواء، تختزنها أيضاً ذواكر خلاياك وخلايا الكون برمته، «كالصندوق الأسود». لذا وضمن عالمنا هذا، فإن المكان والزمان ليسا مجرد خلفية خاملة تجري عليها الأحداث، بل هما يشاركان في صناعتها وإنتاجها وأرشفتها، فبقدر ما أنت متورط بمجرى الأحداث كذلك هي توازيك وترافقك كما الظل. احذر، أيها العابر، شهود الزور الخمس (الحواس الخمس) ومن يوجّهها، ففي اللحظة التي تعتقد فيها أنك تجني من خلالها عسلاً ويقيناً تكون عرضة للسقوط من شرفة الوهم لتجدك لاحقاً ظلاً بائساً مُضرَّجاً بزبد المكان. على سلم الارتقاء، تظل الحقيقة مطلبنا الأخير.. وهي بدورها لا تمنح نفسها إلا لمن يدفع مهرها غالياً، مهرها المعرفي بالطبع، وهذا لا يتم إلا حسب ما يتوافر من ضوء. ويبقى (الصفر الخالي)، الخلاء الذي هو محض امتلاء بكل المعاني، هو قدوتي وغايتي في الارتحال. «الصفر»، الذي لا يُعرف ولا يُعرَّف، والمنزوع عنه كل شيء حتى قوانين الزمان والمكان، يفيض شفافيةً ويغمر الجهر والخفاء. حدثَ هكذا بعد أن (صفَّرتُ أناي) وأصبحتُ حرة كما الهواء وسلسة كما الماء وصلبةً راسيةً كما الجبال. هناك على حافة الكون رأيت مشهداً ليس من هذا العالم، مشهداً يسد رمق الروح المنفصلة المتصلة، يهمس لي: «إذا ألبستك الزينة لن ترى لشيءٍ زينة».
#بلا_حدود