الخميس - 23 سبتمبر 2021
الخميس - 23 سبتمبر 2021

جمال جدتي

سيظل هوس البشر بالمحافظة على الجمال والشباب الدائم إلى الأبد، ولا أستبعد أن يزداد مع تقدم العلم وتطور عمليات التجميل التي صارت منتشرة بكثرة في الآونة الأخيرة. تغيرت طرق الوصول إلى الجمال مثلها مثل كل شيء في هذه الدنيا، فمساحيق التجميل اليوم لم تعد كافية أبداً لتعزيز ثقة الناس في أنفسهم. صار الرجال والنساء مستعدين لتحمل أي ضرر نفسي ينتج عن الجوع أو الإبر في سبيل الوصول إلى معايير الجمال الحديثة. أنا لست مختلفة كثيراً عن غيري، فقد لهثت خلف الجمال حتى أنهكني التعب، لأجبر في الأخير على الوقوف والتفكر في حالي. إلى متى سأظل أحاول أن أكون نسخة من إنسانة قيل لي إنها جميلة عصرها؟ وإلى متى سأظل أظلم هذا الجسد بحجة أني أحبه وأريد له الأجمل؟ صارحت نفسي بحقيقة أتمنى من الجميع الاستسلام لها، فالعمر يجري، ولن يستطيع أحد إيقافه .. وستترك السنين آثارها علينا شئنا أم أبينا. أغبط جداتنا كثيراً على الراحة النفسية التي عشنها، ففي زمنهن لم يكن هوس الجمال موجوداً كما هو الحال اليوم، لسببين بسيطين في اعتقادي. الأول هو عدم وجود إعلام يذكرهن بمعايير الجمال التي وضعها هو وحده، والثاني هو الستر الذي كان سمة عصرهن. هذا الستر الذي حجب عيوب الأجساد عن الأعين وأراح الأنفس من المقارنات الظالمة. هذا الستر الذي أعطى جداتنا وقاراً واحتراماً لم أرهما في عجائز الدنيا بأسرها. هذا الستر الذي جعلني إلى اليوم لا ألاحظ أي تغيير في جدتي، فملابسها الواسعة وعباءتها وشيلتها السوداء التي يستحيل أن تتخلى عنها، وبرقعها الذي يخفي وجهها ويظهر جمال عينيها الكحيلتين .. كل ذلك جعل من مهمة ملاحظة الكبر عليها أو تغير ملامحها أمراً شبه مستحيل. هذا الستر اعتادت عليه منذ نعومة أظفارها .. فملابسها التي ترتديها اليوم تشبه كثيراً ما اعتادت ارتداءه وهي طفلة، لتحصل في الأخير على راحة بال حرم الكثير منها .. فهنيئاً لجداتنا ما جنينه اليوم بسترهن.
#بلا_حدود