الأربعاء - 22 سبتمبر 2021
الأربعاء - 22 سبتمبر 2021

القانون الأعمى

لاشك أن القانون هو ما يقنن حياة البشر، والتطور الذي واكبه القانون هو ما أعطاه شكله الحالي في كل الدول النظامية، فهو يقنن حياة الفرد، ويتحكم في تعاملاته مع الأفراد والممتلكات الشخصية والعامة، وكذلك يقنن القانون تعاملات الدول مع بعضها البعض، ويحفظ سيادتها واستقلاليتها عن منظومات الدول الأخرى. والمتعارف عليه في المنظومة الدولية أنه لا حق لدولة في التدخل في شؤون دولة أخرى، إلا بقرار أممي يرى أنه من الضروري التدخل لحفظ حياة البشر وسلامتهم وسلامة أبنائهم على أراضي تلك الدول. في الأيام المنصرمة أقر الكونغرس الأمريكي قانوناً جديداً أسماه قانون العدالة، وهو في جوهره يبحث عن كسر هيبة الدول، فهو يتيح للفرد محاكمة دولة بناء على أدلة قصصية، ويكسر هيبة تلك الدولة عبر جرها للمثول أمام محاكم الأحوال الشخصية على أرض غريبة، فكيف ستمثل دولة مستقلة أمام فرد في أرض غير أرضها؟ وكيف ستقبل أن تكون متهمة بارتكاب جرائم ضد الإنسانية؟ كيف ستكون ردة فعل تلك الدول التي يدعوها القضاء الأمريكي للمثول أمامه كمتهمة، بحيث يكون الشاكي فرداً من أفراد الشعب؟ هرطقة لن تصنع الاستقرار والأمان عبر تفعيل هذا القانون، بل ستحدث بلبلة لا حدود لها، فالدستور الأمريكي يكفل حق المواطن الأمريكي بمقاضاة أي كان على أراضيه، فكيف سيكون حال الدول التي ستعاني من هذا القانون المختل؟ قانون ربما له سيناريو خفي، فالثروات التي تملكها الدول في الولايات المتحدة كثيرة، وهذا القانون سيسهل الحصول على تلك الثروات، فليس شرطاً أن تمثل الدولة المتهمة، فهناك أموال يمكن تسييلها وإعطاؤها للشاكي، وكم من مواطن أمريكي سيرفع قضية على دولة، فأين ذهب التشريع الدولي؟ وأين ذهبت الأمم المتحدة؟ بل أين المبادئ والأخلاق؟ هل فقد الكونغرس البصيرة بحيث يسن قانوناً يعطي الأفراد الحق في مقاضاة الدول على الأراضي الأمريكية؟ هل لأن معظم الدول التي سيوجه اليها أصبع الاتهام تملك استثمارات مالية هائلة في الولايات المتحدة، وبذلك تكون المحاكمة إجبارية؟ هل هذا هو السلاح الذي سيستخدمه القضاء الأمريكي لإجبار الدول على المثول أمامه؟ وإن رفضت تلك الدول المثول أمامه، فسيعمل على تسييل تلك الاستثمارات لمصلحة المتضررين، على حد زعمه؟ قانون يشبه قانون الغاب، وهو ليس إلا ورقة ضغط على بعض الدول التي بدأت في الاستغناء عن القوة الأمريكية، فهو لا يحفظ إلا حقوقاً مزعومة، وهو إساءة للدول المعنية بغض النظر عن جنسيات تلك الدول أو دياناتها، لكن ما لا يدركه الأمريكان أن تلك الدول تستطيع أيضاً أن تتصدى لهذا القرار إن مس سيادتها، وأن تنفذ مقاطعة شاملة للولايات المتحدة. هذا القرار سيسبب الضرر بالدرجة الأولى لصنّاعه، قبل أن يمس سيادة الدول، قرار ربما يحطم الاقتصاد الأمريكي ويعزله عن بقية الاقتصادات العالمية، فالسوق الآسيوي وحده كفيل بكسر شوكة الاقتصاد الأمريكي. لم يعد أمر الأمم المتحدة يعني الأمريكان في شيء، فهم يعملون خارج إطاره منذ عقد من الزمان أو أكثر، لكن الأمر مختلف الآن، في القديم كان الأمريكان يحتلون السوق بمنتجاتهم، ولكن الآن هناك منتجون كُثُر، وفي اعتقادي الشخصي هذه ورقة رابحة للدول المعنية بهذا القانون، ستكون هناك نافذة خلاص ونافذة أمل، لكن الخسارة الحقيقية ستكون من نصيب الولايات المتحدة، فهي دولة لا تستطيع الانغلاق على نفسها، ولا تستطيع أن تستغني عن سوق من أسواقها، فهل ستبقى تلك الأسواق مرحبة بالمنتجات الأمريكية بعد أن يسبب هذا القانون الضرر لها؟!
#بلا_حدود