الجمعة - 24 سبتمبر 2021
الجمعة - 24 سبتمبر 2021

المناعة الطبيعية والاعتماد على المضادات الحيوية (1-2)

يتزايد خطر البكتيريا المقاومة للأدوية المتعددة، فقد أصبحت العديد من الجراثيم قادرة وبشكل خطير على مقاومة تأثير المضادات الحيوية المعروفة، وهو ما يصعّب على المجتمع الطبي القدرة على احتواء العدوى حتى عقب العمليات الجراحية البسيطة. وتفرض مقاومة المضادات الحيوية بتأثيرها على العناية الفردية والعناية الجماعية على حد سواء، فعلى سبيل المثال، عند الإصابة بأحد الأمراض المعدية سيُجبَر الطبيب على اختيار جرعة أكبر من العلاج الكيميائي بمضادات البكتيريا تجريبياً، وهو الأمر الذي قد يكون ساماً بشكل أكبر وأصعب على المريض وذو تكلفة أعلى بالمقارنة مع الأدوية الأولية. أما على مستوى العلاج الجماعي، فقد أصبحت المقاومة المتزايدة حلقة مفرغة تعزز الاستخدام المتكرر للعلاج واسع الطيف وتعزز أيضاً نفس السلالات المقاومة للحلقات اللاحقة. إن انخفاض فاعلية المضادات الحيوية في علاج الأمراض الشائعة سجّل تسارعاً كبيراً خلال السنوات الماضية، ومع وصول سلالات غير قابلة للعلاج من الأمعائيات المقاومة للكاربابينيم نحن نشهد الآن فجر حقبة ما بعد المضادات الحيوية، ففي الدول ذات معدلات الدخل العالية، يسهم استخدام المضادات الحيوية بمعدلات عالية في المستشفيات والمجتمع والزراعة بالضغط الانتقائي الذي حافظ على سلالات المرض المقاومة، وبالتالي تجبرهم على التحول نحو المضادات الحيوية ذات الطيف الأوسع والأكثر تكلفة. وكان الأطباء في الإمارات العربية المتحدة قد أشاروا إلى أن الإفراط في استخدام المضادات الحيوية يمكن أن يقوي مقاومة الجراثيم لها ويسهم في تطورها، ودعوا لتطبيق قوانين صارمة حول مبيعات المضادات الحيوية بشكل مباشر دون وصفة دوائية، جنباً إلى جنب مع تعزيز وعي المستهلكين لتقليل الطلب على المضادات الحيوية. وبالطبع فإن مقاومة المضادات الحيوية ليست السبب الوحيد لذلك. فحتى قبل اكتشاف البنسلين، تم التعرّف على سلالات مقاومة من البكتيريا، واستخدام ملايين الأطنان من المضادات الحيوية على مدى 75 عاماً منذ اكتشافها تسبب بما يسمى بالضغط الانتقائي، مما جعل البكتيريا المتسببة بالأمراض تقاوم المضادات الحيوية المستخدمة عادة في علاجها. كما يتسارع التطور لمقاومة البكتيريا بشكل واضح في حالة المضادات الحيوية من مستوى بيتا لاكتاماز، فحتى الآن، تم التعرف على ما يقارب 1000 صنف من أصناف بيتا لاكتاماز التي تبدي مقاومة للمضادات الحيوية وتبطل مفعولها، وهو زيادة بما يعادل عشرة أضعاف عمّا كان عليه الوضع قبل عام 1990. وأشار الباحثون أيضاً إلى أن عدم الالتزام بنظافة اليدين هو أحد المسببات لانتشار البكتيريا المقاومة للمضادات الحيوية. لهذا السبب، على سبيل المثال، تنصح السلطات الصحية المسافرين إلى المملكة العربية السعودية لأداء فريضة الحج، حيث يجتمع ملايين الأفراد من كافة أنحاء العالم، بزيارة الأطباء قبل سفرهم للتحقق من حالتهم الصحية والتقليل من خطر إصابتهم عوضاً عن اضطرارهم للعلاج بالمضادات الحيوية لاحقاً. كما ولا تزال العديد من المستشفيات ومراكز الرعاية الصحية حول العالم تفتقر بشكل كبير لتطبيق إجراءات النظافة، بينما لا تزال العوائق الثقافية وغيرها من الأسباب التي تعيق تطبيق هذه الإجراءات بحاجة إلى دراسة أعمق. وتبقى تدخلات السيطرة على العدوى بحاجة إلى تطوير وإعادة تقييم في حقبة تشهد تحولاً متسارعاً للبكتيريا المقاومة للأدوية المتعددة والعناصر الوراثية المتحركة المقاومة للمضادات الحيوية. د. سليمان العبيد* * استشاري علوم الأحياء الدقيقة
#بلا_حدود