الاثنين - 26 يوليو 2021
الاثنين - 26 يوليو 2021

(البوتقة): مشروع ثقافي كبير وجادّ رغم أنّه فردي

شيئاً فشيئاً يثبت النشر الإلكترونيّ أنّه مؤهّل ليكون أداةً فاعلةً لمشاريع ثقافيّة لا تقلّ في جدّيّتها وعمقها عن المشاريع المعتمدة على الوسائل التقليديّة. مجلّة (البوتقة) فصليّة إلكترونيّة تعنى بترجمة الأدب السرديّ المكتوب باللغة الإنجليزية، وقد تجاوزت في عددها الأخير السابع والثلاثين حاجز المئة نصّ، وهي نصوص منتقاة بعناية فائقة من حيث مضامينها الإنسانيّة، وتقنيّاتها الفنية، واتّجاهاتها، وجنسيّات أصحابها، لتكون في النهاية تفاصيل في مشهدٍ متكاملٍ لواقع الحركة السرديّة في البلدان الناطقة بالإنجليزية. والمثير في الأمر أنّ مشروع المجلّة منذ تأسيسه قبل ستّة أعوام التزم معايير النشر بمهنيّة عالية، لا سيّما ما يتّصل منها بحقوق المؤلّفين، فصاحبته المترجمة (هالة صلاح الدين) لا تنشر شيئاً إلا بعد الحصول على موافقة مسبقة وصريحة من المؤلّف، كاسرةً بذلك تقليداً سيئاً في حركة النشر العربي، حيث لا مراعاة للمؤلّف، ولا لحقوقه المعنويّة والماديّة، إلا في القليل النادر. وتلتزم المجلّة بتقديم نصوصٍ لكتّابٍ لهم حضورهم الإعلاميّ الواسع، مع عناية خاصّة بالكتّاب الذين لم يتسنّ للقارئ العربيّ أن يتعرّف إليهم، فهي بذلك تقوم بدورٍ رائدٍ في تسليط الضوء على جوانب مجهولة بالنسبة إلى هذا القارئ، وتحرّضه على البحث فيها، ومتابعتها. وما يثير أكثر أنّ المشروع فرديّ خالص، فهو يقوم على أكتاف صاحبته المترجمة (هالة صلاح الدين)، التي تتولاه من أوّله إلى آخره، وتتابع أدقّ تفاصيله، بدءاً من عمليّة الترجمة نفسها، وصولاً إلى عملية التفاعل مع المتلقّين، والحرص على إيصال أعداد المجلّة إليهم عبر إيميلاتهم، دون أن تنسى وسائل التواصل الاجتماعي مثل الفيس بوك الذي أنشأت فيه صفحة خاصّة للمجلّة، فضلاً عن صفحتها الشخصيّة. وقد حظيت المجلّة في السنوات الأخيرة باهتمام بعض المؤسسات المعنيّة بالشأن الثقافي، فقدّمت لها دعماً يكفل لها الاستمرار، ومنها الصندوق العربيّ للثقافة والفنون، والمجلس الثقافيّ البريطاني اللذان دعما بضعة أعداد منها، كما دعما الخطوة اللاحقة التي قامت بها المجلّة وهي نشر بعض الأعداد ورقياً. تجربة مجلّة (البوتقة) مثالٌ مبهر لمشاريع تعرف كيف تستثمر الإمكانات التي تتيحها التقنيات الحديثة، مؤكّدة أنّ الثقافة الجادّة يمكن أن يكون لها صوتها المسموع في زمنٍ كثر فيه اللغو والاستعراض المجاني الفارغ. [email protected]
#بلا_حدود