الثلاثاء - 03 أغسطس 2021
الثلاثاء - 03 أغسطس 2021

تُجار الوهم

أثناء زياراتي المتكررة للمعارض الموسمية التي تقام في مختلف مدن الدولة، كثيراً ما يستوقفني تزاحم النساء من مختلف الجنسيات والأعمار أمام الأكشاك الصغيرة التي تبيع المستحضرات الطبية المستخلصة من الأعشاب، والغريب في الأمر أن أصحاب هذه الأكشاك يدعون أن أدويتهم فعالة جداً في علاج الكثير من الأمراض المستعصية، التي تعجز عنها أرقى مستشفيات نيويورك ولندن وبرلين! وعندما تسألهم هل أنتم صيادلة؟ يجيبون بالنفي، ويدعون بأنهم قد ورثوا المهنة من آبائهم وأجدادهم، وعندما تمعن النظر في محتويات أكشاكهم، تجد أنها تتجاوز نشاط العطارة بمراحل، وتبدو أقرب إلى نشاط الصيدلة، فمعظم الأدوية الموجودة لا تقتصر مكوناتها على مستخلصات الأعشاب، بل تدخل في تصنيعها الكثير من المواد الكيميائية، ما يتطلب إخضاعها لرقابة طبية مكثفة، وعدم منح صلاحية صرفها إلا لمن يحملون شهادة في الطب أو الصيدلة. أنا هنا لا أشطب على تاريخ مهنة العطارة العريق والضارب في القدم، ولكني أشير إلى تجاوزات خطيرة تمارس تحت غطائها، فلا مشكلة أبداً في تداول أدوية عشبية معروفة ومجربة ومتوارثة عبر الأجيال للتداوي من أمراض بسيطة من مثل السعال والزكام والتهاب الحلق، ولكن أن يتطور الأمر إلى صرف أدوية كيميائية، بعضها مجهولة المصدر، لعلاج أمراض خطيرة ومعقدة، فهنا الأمر يحتاج إلى تدخل سريع وضبط، حتى لا تستغل معاناة المرضى وأهاليهم للتربح والاسترزاق. خصوصاً أن الكثير من هذه المحلات تخاطب عاطفة المستهلك أكثر من مخاطبتها لعقله. فالمرأة التي تعاني من مرض جلدي يشوه مظهرها، تنجذب تلقائياً إلى مثل هذه المحلات التي تستغل معاناتها، فتبيعها الوهم في صورة أمل، لتستنزف أكبر قدر من أموالها، ولتتركها بعد ذلك تواجه مصيرها بمفردها، دون تحمل أي مسؤولية تجاهها، وهذا ما يفسر اكتظاظ رفوف هذه الأكشاك بمستحضرات علاج البشرة وتساقط الشعر والنحافة والتسمين، فالمرأة عاطفية بطبعها وشديدة القلق تجاه جمالها ومظهرها، لذلك تمثل الفئة المستهدفة الأولى لمثل هذه الأكشاك. ثقافة المستهلك مطلوبة هنا، لكن تدخل الجهات المعنية سواء كانت وزارة الصحة أو الدوائر الاقتصادية أو البلديات مطلوب أيضاً، فوطأة المرض شديدة على النفس، وتجعل من صاحبها أسير لوعود الآخرين حتى وإن كانت زائفة، فهو مثل الغريق الذي ينتظر مرور أي قطعة خشب طافية، حتى وإن كانت صغيرة، ليتشبث بها طمعاً في النجاة. [email protected]
#بلا_حدود