الثلاثاء - 15 يونيو 2021
الثلاثاء - 15 يونيو 2021

حكمة هندية

عندما عاد الطفل الهندي إلى أمه باكياً وشاكياً إليها تعرضه للضرب المبرح من أفراد ينتمون إلى طائفة دينية أخرى، ومتوعداً بأن ينتقم من جميع أفراد تلك الطائفة، لاحظت الأم الذكية صفة التعميم التي تصاحب حديث طفلها، فخافت منها، وحرصت على أن تجتثها من ذهنه الصغير والنقي وغير الملوث. فرسمت له خطاً عمودياً مستقيماً، كتبت على يمينه الأخيار، وكتبت على يساره الأشرار، لتوضح له حقيقة مفادها أن الأخيار موجودون في كل مجتمع، بغض النظر عن جنسيته أو ديانته، وكذلك الأشرار. وعليه، فيجب أن يدرك صغيرها بأن السلوك الصحيح، هو التصدي للأشرار حيثما وجدوا، أما الأخيار فهم جديرون جداً بالاحترام في أي مجتمع كانوا. هذا المشهد تضمن واحدة من أهم وأعمق الرسائل الأخلاقية التي أراد المخرج الهندي جوهر كاران تمريرها إلى المشاهدين عبر عمله السينمائي الخالد My name is khan، الذي أنتجته بوليوود في 12 فبراير 2010، وحقق حينها إيرادات تجاوزت 37 مليون دولار. وفي تاريخنا الإسلامي الجميل ظهر أخيار كُثر خدموا البشرية وساهموا في نهضتها ورفعة شأنها، ابتداءً بخير البشر سيدنا محمد (صلى الله عليه وسلم)، الذي بلغ الرسالة وأدى الأمانة ونصح الأمة وكشف الغمة، وانتهاءً بطفل صغير يميط الأذى من الطريق امتثالاً لتعاليم دينه. وفي الأمم الأخرى كذلك ظهر أخيار كُثر خدموا البشرية كلٌّ في مجاله. وفي المقابل ظهر الكثير من الأشرار في مختلف المجتمعات. فرأينا زعماء المافيا يستوطنون صقلية، وينشرون الرعب والفساد في مشارق الأرض ومغاربها، ورأينا كذلك أفراد تنظيم القاعدة يدكون أبراج التجارة في منهاتن، ويتسببون في مآس وويلات أعطت ذريعة للغرب لضرب دول إسلامية بأكملها، وتشريد شعوبها وتبديد مواردها. هنا تظهر خطورة التعميم، فعندما دُكت أبراج التجارة في منهاتن، كان المسلمون في الولايات المتحدة أول المتضررين، وكم من طالب علم اضطر لقطع دراسته، ومريض اضطر لقطع علاجه، وتاجر اضطر لتصفية تجارته، كل ذلك خوفاً من موجة الكراهية التي سادت في المجتمع الأمريكي حينها ضد المسلمين الذين كانوا ضحية لتعميم جائر، ألصق تهمة الإرهاب بهم جميعهم بغض النظر عن خلفياتهم الفكرية والأخلاقية، في حين أن الحقيقة الدامغة تشير وبوضوح إلى أن الإرهاب ظهر من فئة شريرة، من الممكن أن تظهر في أي مجتمع، ولا تمثل بالضرورة أخلاقيات جميع أفراده. من وجهة نظري، أرى أنه من الضروري أن نرسم الخط الذي رسمته تلك الأم الهندية الخائفة على طفلها، وأن نفرق ما بين الأخيار والأشرار في كل مجتمع، دون الوقوع في خطيئة التعميم، لعل وعسى أن تستيقظ الإنسانية من سباتها الطويل، وتسود ثقافة التسامح بين مختلف الثقافات والأديان، وتتوحد جهود أخيار العالم لمواجهة مكائد صُناع الموت وأعداء الحياة. [email protected]
#بلا_حدود