الاحد - 20 يونيو 2021
الاحد - 20 يونيو 2021

التأثير بالفن

لم يسعَ كريستوف كيشلوفيسكي إلى صناعة فيلم جماهيري، وهو يكتب بنفسه سيناريو فيلم «الحظ الأعمى» Blind Chance، فقد كان - في ظل الهيمنة الشيوعية ١٩٨٢- مشغولاً بتمرير انتقاداته السياسية للنظام، وإيجاد ثغرات يعبر من خلالها عن رفضه لاضطهاد الحريات، لكنّ بذرة الفن التي اعتنى بها طوال حياته أثمرت، بالإضافة إلى احتجاجه، قطعة فنية لا تتكرر، برغم الموارد المحدودة والتقنيات المتواضعة في الإنتاج والتصوير. فيلم من النوع الذي يخلّف أثراً صارخاً في النفس، ويتدخل في مصيرها، وربما تغييرها بشكل كامل، هل باستطاعة الفن أن يفعل هذا؟ الفيلم الذي منع من العرض حتى ١٩٨٧، يتشعب في خطوط ثلاثة لحياةٍ لا تفصلها سوى ثوانٍ كافية لتغيير مسار الأحداث كلياً، وكأنها تقول إن الحياة لا تكتمل، لكننا نحصل على فرصة لنعيشها، بينما يأتي الوقت باعتباره العامل الحاسم في تنفيذ مخططات القدر وتقرير اتجاهه أو ربما تقديمه كما هو مُعدّ مسبقاً لمن ينفذون تعليماته. أما السؤال الكبير في الفيلم فيظل مجهولاً، يبدو كأنه «ماذا لو؟» .. لكنه ليس كذلك، إذ ثمة سؤال ضخم يبرز أنيابه في وجه البطل الهامشي، من قبيل: هل كانت الحياة بتفاصيلها تستحق هذا الألم؟ فيما الموت، الذي جاء خجولاً في البداية، يستحيل لغزاً، ويمارس دوره، كمهرج متمرس في تعرية جسد الإنسان الهش وروحه التي لا تمل الغليان والتوثب. هل يقول الفيلم إننا أقل مما تخطط له الحياة، وإننا عظماء في خيالاتنا فقط؟ وإن سحق الإنسان بكل ما يحمله من إرادة وطموح لا يكلّف إلا ثوان؟ أم أن كيشلوفيسكي، بالتوازي مع سخرية الخطة التي أعدها القدر، يسخر من وهم القوة لدى الإنسان؟ أو أنه أراد أن يطرح السؤال بلا مبرر؟ ماذا إذاً عن شحنة الفن التي يقدمها تمثيلاً وحكاية وموسيقى؟ وهي تشي بقلق السائل، وألم الباحث عن مجهول يتربص بالإنسان. قد لا يأسف المشاهد بما فيه الكفاية على الأحداث، لكن ثمة حبكة تنتظره في النهاية، تفاجئه بخواء معرفته، وضآلة درايته بالحياة، تخلد فيه أثراً عميقاً يحثه على إعادة ترتيب أفكاره، ليدرك أن الثواني التي تبدو تافهة قد تغير حياته تماماً، وللأبد! [email protected]
#بلا_حدود