الثلاثاء - 15 يونيو 2021
الثلاثاء - 15 يونيو 2021

أكثر من رأي

يحكي أحد المذيعين الذين يتمتعون بحاسة التقاط الحدث المثير، ولديهم أستاذية لا تخطئها الحواس في انتقاء مواقف من وراء الكواليس تتجاوز أحياناً حدود الفهم البشري في إحدى جلسات الفضفضة خاصته، موقف أرى أنه يستحق أخذ حيز في هذه الزاوية. وقد يتساءل البعض عن سبب الرغبة في تخصيص هذه المساحة لاستعراض موقف كهذا فأقول: في الواقع هذه الحكاية ظاهرة عامة تزاول بصيغة مستمرة وليست مجرد موقف عابر ونادر الحدوث. إن المذيع بتلك الموهبة في لفت انتباه الناس يتعشم أثناء كشفه للجمهور تلك الحكايات أن يكون لها تأثير إلقاء القنبلة الفجائي عليهم. يقول إنه في إحدى الحلقات استضاف فقيهاً ما، وقبل أن يبدأ الحلقة كانا يتناقشان حول ما سيتم عرضه فيها، ثم أخبر الفقيه أنه بصدد أن يسأله سؤالاً في الحلقة عن حكم التعامل مع البنوك ومن هذا الكلام. هنا قال الشيخ: وماذا تريدها أنت، حلالاً أم حراماً؟ فرد المذيع بأنه يرغب كما كل الناس ترغب في معرفة الحكم الدقيق في المسألة. لكن الفقيه كان أكثر اتساعاً وأبعد أفقاً وصارحه بأنه لو أرادها حلالاً فهناك أدلة، ولو أرادها حراماً فهناك أدلة أيضاً، وعليه أن يقرر ماذا يريد قبل أن تنطلق تترات البرنامج معلنة عن بداية الحلقة. وحتى أكون أكثر واقعية فإن موقف الفقيه وإن بدا للبعض متضارباً ولا يستند إلى حكم أوحد يوجه الناس وجهة مستقرة متماثلة، لكنه كان مرناً يعين الفرد على الاختيار من متعدد ويفسح المجال لأكثر من رأي ويتيح عدداً من وجهات النظر. قد يرى بعض ضيقي الأفق أن لا شيء يدل على اضطراب المجتمعات مثل كثرة القوانين والقوانين المضادة لها ولن نصحو على أنفسنا إلا بعد أن تغمرنا أزمة تناقضات تشوش الناس كلياً، وهناك من يرى أن طفرة التفسيرات والقوانين تهز وتضعف هيبة العلم، لكن في الحقيقة فإن الفقيه كان واضحاً في إعطاء حرية المسلك من أجل الطهارة الاجتماعية والأمانة العلمية. ويبقى الخطأ كل الخطأ أن تجبر المجتمعات فقهاءها وتحاصرهم لأخذ جواب واحد لا احتمال فيه للتراجع والتعديل أو الحذف. [email protected]
#بلا_حدود