الجمعة - 18 يونيو 2021
الجمعة - 18 يونيو 2021

دعوة إلى الإفساد في الأرض

نسمع في كل الدنيا أصواتاً حقوقية متألمة تنادي بضرورة حماية المرأة من التحرشات، وسن العقوبات المستحقة لأي متجاوز يتعمد السعي إلى فرض سطوة شذوذه ودناءة أخلاقه بلا صفعة رادعة تعيد له توازنه الطبيعي. وفي وسط كل تلك الصيحات بإمكاننا أن نميز أيضاً أصواتاً منحرفة خارجة عن اللحن المنتظم وميالة دائماً إلى النقيض من كل شيء، تحاول أن تمهد الخط أمام مرضى الهوس الجنسي لتفريج طاقاتهم المحشورة بداخلهم بأي طريقة، وأسلم طريقة بالطبع هي تلك التي تتكئ على تسويغات دينية حتى تكف عن نفسها مواجهة اللوم والرفض، وتسكت إيقاع الغضب المتوقع منها. قبل أيام أطلق أحد هؤلاء المرضى بالتشدد تغريدة يفتي فيها بوجوب التعرض للكاشيرات والتحرش العام بهن بعد أن أقرت السعودية السماح لهن بمزاولة تلك المهنة بشكل قانوني، والغرض هو هز الثقة والأمان في داخلهن حتى يرفضن العمل بشكل تلقائي ويجدن أن البقاء في البيوت خياراً أمثل، لتصبح تلك التغريدة بمثابة دعوة عامة للتحرش والإفساد ومنصة دفاع ديني عن القوة الأخرى في هذا الصراع، وهي قوة مفلوتة السيطرة على غرائزها دائماً، تنتهز مثل هذه الفرص لتمرر من خلالها اضطراباتها النفسية. فالأمر لا يخلو من ظل نفسي خطير، والغاية (الدينية) لديهم تبرر الوسيلة (الدنيئة). وطبعاً فإن هناك من لعب دوراً في إضفاء غطاء تبريري على دعوته تلك ومنحها رداءً فكرياً فلسفياً لم يقصده على الإطلاق إنقاذاً للموقف، وقد يعثرون على تفسيرات خارج النص لم تخطر على بال كاتب التغريدة أصلاً ولم يعنها بحال، ولذا فلم أتعجب كثيراً من وجود موجة دفاعات متحمسة وزخم هائل من الحماية والمؤازرة يحيط بالفكرة البليدة ويثني عليها، كل هذه التفسيرات مجرد تنويعات على تأييد المغزى الأصلي منها، فالتكاتف ضد كل ما يخص مصلحة المرأة أصبح لديهم ركناً من أركان الإيمان. إن السلاح الذي يجب أن يشهر الآن هو الرد العملي على أمثال هذه الدعوات المريضة بالمزيد من اقتحام المرأة مجالات العمل والصمود أمام أي تشويشات واهنة غرضها العودة بنا إلى الخلف وإكساب أفكارهم انتصاراً دينياً مزعوماً، ولن يتم ذلك إلا ببضع خطوات نسائية واثقة نحو الأمام بلا توجس أو قلق أو حتى إبداء أدنى مبالاة لحالات «فصلة المخ» التي تزور بعض المتشددين من وقت لآخر. للتواصل مع الكاتب [email protected]
#بلا_حدود