الثلاثاء - 15 يونيو 2021
الثلاثاء - 15 يونيو 2021

أمريكا وتثمين الآخر

عندما زارت لورا لأول مرة بيت زوجها العربي في حي الدرج العريق في مدينة غزة، لاحظت أنها كلما دخلت غرفة مرت بممر طوله نحو المتر أو أكثر قليلاً يمتد بين الباب وصحن الغرفة، فسألت عن سبب وجود هذه الممرات في كل المداخل بما فيها المطبخ والمرافق الأخرى، تلقت الإجابة التي أدهشتها، وهي أن هذا هو سمك حجر البناء، وهو ما جعلها تستفسر عن عمر البناء لتعرف أن عمره 280 سنة، ما كان منها إلا أن صاحت بتعجب متسائلة «منزلكم أقدم من أمريكا؟». هذا هو حال الشعب الأمريكي، نشأ في ظل حقيقة أن بلده هو أقوى وأعظم بلاد الأرض، واكتفى فلم يبحث، ما جعله شعباً غير مثقف، فاكتفى بمنجزه، نحن لا ننكر حجم الإنجاز الحضاري الأمريكي من اختراعات عظيمة، أهمها المصباح الكهربائي لتوماس إديسون، الطائرة للأخوان أورفيل وويلبر رايت، والتلفزيون لفلاديمير زوريكن، والإنترنت أو الشبكة العنكبوتية العالمية الذي كان تيم بيرنرز لي هو من اخترعها، وهذه نبذة بسيطة لقائمة طويلة من الاختراعات التي سجلت لأمريكا، وهي مهمة ولها أثرها الكبير في مسيرة التطور الإنساني، لكن هذا لا يعني ألا يلتفت الأمريكيون إلى تاريخ الإنسانية في أصقاع الأرض وما تم إنجازه قبل نشأة أمريكا. وتماشياً مع النظرية الهرمية لابن خلدون في تطور المجتمعات وأفولها، فإنه لا بد للأسطورة الأمريكية من أن تنتهي ولو بعد حين، والسؤال هنا: ما الآثار التي سوف تتركها هذه الحضارة؟ فالفراعنة تركو معماراً لا تمحوه كل عوامل التعرية، فها هي الأهرامات شاخصة وظلت هي أعلى مبنى في العالم حتى نحو مئة سنة مضت، وها هي معابد أبوسمبل وغيرها، إضافة إلى الوثائق والآثار المدونة للفراعنة، وكم من الاختراعات التي أثرت في السلوك البشري وأصبحت جزءاً من منهاج حياته، أما حضارة بلاد الرافدين فإن ما تركته من آثار شكلت جزءاً من نمط حياة الفرد المعاصر، فاختراع الكتابة لم ينتهِ بانتهاء السومريين، بل هو جزء من يومياتنا، وكذلك القوانين والشرائع التي أول من وضعها حمورابي ظلت في تطور حتى يومنا هذا، وللصين والهند أثرهما الواضح على الطب في العالم، فهما اللتان شكّلتا بداياته. ماذا عن أمريكا عندما يأفل نجمها؟ ما الذي سوف تتركه من آثار؟ الأقراص الممغنطة سوف تنصهر، السيارة، الطائرة، التلفزيون، كلها معادن وسوف تصدأ، أو شرائح ولدائن مصيرها الخراب مع أي موجة حارة، وعلى صعيد المعمار فإن برجي منهاتن سقطا بحادث بشري، لم يكن زلزالاً ولا أي من الكوارث الطبيعية الجبارة، أنا لا أتحدث عن أمنية، حاشا، بل هي طبائع الأمور وحتميات النتائج، وهذا رجاء للورا وشعبها الأمريكي أن يطلعوا فقد يساعدهم هذا على معرفة قيمة الآخر، وبالتالي تثمينه. للتواصل مع الكاتب [email protected]
#بلا_حدود