الاثنين - 21 يونيو 2021
الاثنين - 21 يونيو 2021

مفاتيح تشيخوف

«لقد أردت فحسب أن أقول للناس بصدق وصراحة، انظروا إلى أنفسكم، انظروا كيف تحيون حياة سيئة مملة، فأهم شيء أن يفهم الناس ذلك، وعندما يفهمون سيشيدون حتماً حياة أخرى أفضل. ولن أراها، ولكني أعرف أنها ستكون حياة مختلفة تماماً، لا تشبه هذه الحياة، وطالما لم تحل فسوف أظل أردد للناس مرة بعد مرة، فلتفهموا كيف تحيون حياة سيئة مملة» أنطون تشيخوف. تجلس وقد تأنقت بقرنك الحادي والعشرين .. بسهولته المفرطة .. وقدراته الأخاذة ولمعانه المبهج .. كل شيء قريب منك .. كل ما جاد به خيالك أو حتى لم يفعل هو آخذ بالتجسد أمامك من دون عناء يُذكر .. أنت تصل إلى أقصى طرف في هذا العالم في وقت يسير .. تتباهى بانفتاحك عليه .. تستورد منه وتصدّر إليه .. تتقاربان ترددان لفظة الانفتاح الهائل باستمرار، ولكن هل تمتزجان؟ وهل تفهم أن أصل العلاقات الأساسي هو الامتزاج بعد أن يعبر أحدكما بالآخر .. الامتزاج الذي لا يقاس إلا بانفتاح الروح على الروح خارج بهرجة المنافع والسلع .. هل تفهم ذلك؟ «أريد معرفتك أيها المجهول .. أنت، أيها الغارف روحي بعمق، أيها المخترق حياتي كعاصفة، أيها اللامفهوم، يا قريبي أريد معرفتك وخدمتك» فريدرك نيتشه. ما الذي نعنيه بالانفتاح على الآخر ..؟ هل تكفينا المعرفة السطحية العامة .. اللون، الشكل، اللغة العادات البسيطة التي قد تخدم بشكل أو بآخر التبادل المنفعي؟ وهل يمكننا أن نعتبر ذلك انفتاحاً حقيقياً؟ هل نكتفي بذلك؟ .. بالمنفعة الهرمية التي تقوض العلاقات في مجملها إلى مشترٍ وبائع من أخمص الهرم حتى أعلاه. أعتقد أن أول بذرة لهذه التساؤلات بدأت مع بداية الثورة الصناعية في أبدع عصور توهجها التي أعادت معها نحت المجتمعات وفق ما تمت صياغته في آخذ ومعطٍ. تطور الآلة جعل الوصول يسيراً، لكنه نفى معه التواصل وأعني بالتواصل هنا محاولة النفاذ إلى عمق الداخل وفهم هواجس الطرف الآخر في أي علاقة الطرف الذي يخترقك كما قال نيتشه .. التواصل الذي يحتمل تشارك المشكلات على اعتبار أن المشاكل البعيدة اليوم ستكون جزءاً منها غداً إذا ما استمرت بالتفاقم .. وبمعنى أن إتقانك لمجرد اللغة أو فهمك لتقليد أو عادة سيخلو من معناه إذا لم تتعمق لتفهم فن اللغة نفسها والأبعاد التي جاءت بهذه العادة أو التقاليد، وعليه فإنك ستواجه وعورة التمازج الأصيل على المدى البعيد .. على الجانب الآخر إن إدانتك للعنف أو الظلم على سبيل المثال هناك وفي أي مكان اليوم ينقذك منه غداً، وهو ما يمكن تلخيصه بأحد الأسباب التي تحتم التقارب الإنساني المسؤول الذي تعززان فيه أنتَ والآخر بقاءهما معاً، وفق مشروعية الحياة الكريمة .. وهو ما قد يحميك جداً وبعد نهاية العلاقة المنفعية السالفة الذكر من تلك المشاعر التي تتنامى داخلك لتكرس حواجز الوحدة والغربة كالتي قالها تشيخوف مرة «إنك تعرف الجميع هنا، والجميع يعرفونك، لكنك غريب، غريب ووحيد» .. وبما أنني قد أتيت على ذكر تشيخوف هنا، فإنني لطالما ذهبت باعتقادي إلى فكرة أن ذلك الطبيب الروسي الذي أصبح من أبرع كتاب القصة القصيرة العالميين في ما بعد، أراد النفاذ بعلاقته مع الطرف المقابل إلى ما هو أبعد من مشرط وقطنة وسماعة ودواء .. إذ رأى فيها مكرسات للمنفعة الجسدية الخارجية من الاستشفاء فذهب، أي تشيخوف، إلى ذلك الاستشفاء الروحي بمحاولة مد جسور أخرى مع أرواح الآخرين لا أجسادهم عن طريق الكتابة .. بكل ما يصاحبها من مشاركة هواجس وهموم وإشاعة تساؤلات وأفكار ورغبات وتجليات واحتراقات تعصر الروح على الروح وتسكبهما معاً في القالب ذاته .. فالكتابة هنا وبما رافقها كانت مفاتيحه الخاصة للنفاذ .. لكسر تلك الأبواب المؤصدة إلى ماهية الروح الأثيرية مكرساً ما احترفه من جمال لخدمتها. أختم المقالة وأنا أستمع لحليم يصوغ ضياع نزار قباني ويكرره مرة بعد مرة متغنياً في أغنية قارئة الفنجان بعبارة «ستفتش عنها يا ولدي في كل مكان، وستسأل عنها موج البحر وتسأل فيروز الشطآن ..؟» وأقرنها في رأسي ووفقاً لمشروعية التأويل بالبحث عن تلك الروح التي تنفذ إلى داخلها، وتستشف هي داخلك كما ينبغي للمشاركة الإنسانية أن تكون. [email protected]
#بلا_حدود