الأربعاء - 23 يونيو 2021
الأربعاء - 23 يونيو 2021

مصر وأخونة الثقافة

مع اقتراب الذكرى الأولى لتولي الرئيس محمد مرسي مقاليد الحكم في مصر يواصل الإخوان المسلمون نهجهم الذي يستهدف الإمساك بكل مفاصل الدولة وتوجيهها حسب رؤيتهم، باعتبارهم يملكون وحدهم الحقيقة. وإذا كان الإخوان المسلمون قد خاضوا، ومازالوا، معركة على جبهات متعددة مثل الإعلام والقضاء، فإن الثقافة المصرية تشهد حالياً هجمة شرسة تستهدف حسب رؤيتهم «تطهيرها»، فلم يكتفوا بما يشهده المجتمع المصري من انقسام سياسي وديني، بل راحوا يهدمون الثقافة التي كانت القاطرة التي تحمل مصر إلى العالم. فعبر وزير الثقافة الجديد الدكتور علاء عبدالعزيز جاءت معاول الهدم الإخوانية لتقيل رموز الثقافة المصرية في محاولة تستهدف الخروج بها عن مسارها متعدد الألوان والأفكار ليطبق نهج الإخوان الذي يقصي كل صاحب فكر مخالف لهم رغم قولهم إنهم عانوا سياسات الإقصاء والإبعاد والتهميش. وفي هذا الإطار، أقال الوزير الجديد فور توليه منصبه أحمد مجاهد رئيس الهيئة المصرية العامة للكتاب الذي صدرت في عهده أعمال لفنانين ونقاد بارزين، منهم ثروت عكاشة وصلاح عبدالصبور وفؤاد حداد وصلاح جاهين الذي انتقده شيخ سلفي بقوله «إن صلاح جاهين هو تاريخ مصر القذر». وقد عزا البعض تلك الخطوة إلى منح جائزة معرض القاهرة الدولي للكتاب، الذي نظمته الهيئة، لكتاب «سر المعبد» الذي ينتقد الإخوان المسلمين. ولم يكتفِ الوزير «الإخواني» بذلك، بل أقال رئيسة دار الأوبرا المصرية إيناس عبدالدايم، وليُلغَى لأول مرة عرض «أوبرا عايدة» في حدث غير مسبوق في تاريخ دار الأوبرا منذ بدء عرضها قبل أكثر من 140 عاماً، إلى جانب إقالته صلاح المليجي رئيس قطاع الفنون التشكيلية، الأمر الذي حدا بكبار المثقفين والمبدعين المصريين إلى الاستقالة من مناصبهم في وزارة الثقافة. ولم يدرك الإخوان المسلمون ووزيرهم الجديد أن منصب وزير الثقافة يختلف تماماً عن أي منصب آخر، لأن هذا الكرسي جلس عليه عمالقة الأدب والفن والثقافة، ولأن هذه الوزارة جمعت في كواليسها رموز الثقافة المصرية عبر سنوات طويلة ابتداء بطه حسين والعقاد، وانتهاء بالحكيم ونجيب محفوظ ويوسف إدريس والشرقاوي وبنت الشاطئ وسهير القلماوي وخالد محمد خالد والباقوري والغزالي وإحسان عبدالقدوس، فقد كان وزير ثقافة مصر هو الوجه المضيء في العواصم العربية، وكانت الثقافة المصرية أفضل وأقيم وأجمل ما تقدم مصر للعالم آثاراً وتاريخاً وفناً وغناء ومسرحاً وأفلاماً. ويتساءل المراقبون للشأن الثقافي المصري ما الذي يغضب وزير الثقافة الجديد في ثوابت الثقافة المصرية المعاصرة؟ وماذا يقول عن أرض أنجبت في الرواية عشرات من كبار المبدعين؟ لقد أخطأ وزير الثقافة الجديد حين تصور أنه جاء ليطوي صفحة الثقافة المصرية التي لا يحبها ولا يقتنع برموزها، لأن أعظم ما في هذه الثقافة هو الاختلاف والتنوع. والإخوان الذين يكرهون الثقافة المصرية الحديثة يكرهون الحضارة المصرية القديمة، ويسكتون على الذين يهددون بتدمير الآثار والذين يحطمون التماثيل. والحرب التي يشنها الإخوان على مصر الفرعونية ومصر المسيحية لم تكن مجرد تصريحات، بل كانت تأسيساً لثقافة طائفية يريد الإخوان ترسيخها وإشاعتها، ولنظام يريدون إقامته، وهذا ما رأيناه في الدستور الذي أسقطوا فيه الدولة المدنية، وأقاموا مكانها طغياناً تستمد فيه القوانين من الشريعة الإسلامية كما يفهمونها. هكذا أسقط الإخوان في هذا الدستور كل المبادئ التي عرفها المصريون في نهضتهم الحديثة على يد مثقفيهم الكبار الذين اقتبسوا علوم الأوروبيين ومناهجهم العقلانية ونظمهم السياسية، وناضلوا في سبيل الديمقراطية ودافعوا عن حرية التفكير والتعبير وغيرها من مبادئ أسقطها الإخوان بعد أن خلطوا الدين بالسياسة، وانفردوا بالسلطة واعتدوا على استقلال القضاء، ويقترحون مشاريع يقسمون بها مصر ويفتحون حدودها للإرهابيين ويطلقون يدهم في سيناء ليحولوها إلى قاعدة للإرهاب الدولي. خلاصة القول، على الوزير الجديد أن يختار إما أن يكون وزيراً لثقافة مصر، أو أن يكون وزيراً لثقافة جماعة الإخوان المسلمين، فإذا اختار الثانية فعليه أن يرحل فوراً. للتواصل مع الكاتب [email protected]
#بلا_حدود