الاثنين - 21 يونيو 2021
الاثنين - 21 يونيو 2021

مثقفون .. ولكن

كلما قرأت للأديب المصري الراحل إبراهيم عبدالقادر المازني شعرت بالصفاء والرضا النابع من الفطرة الأولى، ربما لأنه صادق غير متكلف، هاجسه وشاغله الشاغل أن يُرضي قرّاءه ويسعدهم، لذلك فإنك عندما تقرأ له، يعيدك إلى ذاتك، فهو لم ينشد يوماً تخليد اسمه بين صفوة الأدباء، أو أن يخترع ما يزيد ثروة اللغة العربية معنى أو موضوعاً أو فكرة، طبيعي في كل شيء، فالصدق والانسياق للطبيعية البشرية والسليقة الأولى هي أهم صفاته. يُعد المازني الأب الشرعي لمدرسة الضحك الأسود في الأدب العربي المعاصر، وهو ما يُعرف بالكوميديا السوداء، نادى بالصدق الفني واحترام صدق اللحظة والانسجام مع الذات، تلمس ذلك في كل كتبه التي بلغت ما يقارب الثلاثين كتاباً، وهذه الصفات لم تقتصر على كتاباته، بل هي منهاجه في سلوكه اليومي، فقد حدثت معه حكاية قد تبدو غريبة، حيث داهم أحد اللصوص منزله فاتخذه صديقاً. وبداية الحكاية أنه عندما كان يعمل في صحيفة الأخبار، دعت الصحيفة الشعب للتبرع من أجل إقامة تمثال نهضة مصر للفنان مختار المثّال، بلغت جملة ما جمعته الصحيفة نحو ستة آلاف من الجنيهات، وكانت المبالغ تودع في بنك مصر أولاً بأول، ولكن أحد بلهاء المنطقة التي كان المازني يسكن فيها ظن أن ما تتلقاه صحيفة الأخبار يتم حفظه في منزل المازني لعلمه أنه يعمل في الصحيفة ذاتها، ولأن منزل المازني يحيط به سور غير مرتفع، فإن ذلك شجع هذا المغفل على ما يبدو. ويروي المازني: أيقظني ذات ليلة صوت جسم وقع في الفناء الخلفي، فتوهمت أول الأمر أن حجراً مزعزعاً أسقطه قط أو نحوه، ولكني سمعت بعد ذلك حركة كحركة من يعالج فتح الباب، فنهضت ومضيت إلى الباب المُوصد أفتحه، فوجدت شاباً من أهل الحي، ولم يخطر لي حينها أنه جاء ليسرق، فما في البيت ما يطمع به أشد اللصوص قناعة، وإنما ظننته جاء ليطلب شيئاً، فحييته وإن كان قد أسخطني عليه أن يجيء في هذا الوقت المتأخر، وأرجعت ما بدا لي من تردده واضطرابه للخجل، فألححت عليه فدخل، وعندما استأذنت لأصنع له قهوة، استغرب سلوكي معه، وأقر لي بالحقيقة وسألني الصفح، فضحكت وقلت: والله إني لجدير بأن أخجل منك، فإن البيت فارغ، وخطر لي أن من نقص المروءة أن أرده خائباً صفر اليدين، ولم أجد غير الكتب، فتناولت طائفة منها، وقلت له: خذ هذه وبعها، وإذا احتجت إلى سواها فتعال إليّ، والطريف بعد ذلك أن جاري اللص صار صديقي. تذكرت هذه القصة بعد عودتي من منتدى ثقافي تنافس فيه المثقفون من الرجال، كل بسعة اطلاعه، وحجم منجزه الأدبي والفكري، وعدد إصداراته من الكتب والبحوث، وتنافست فيه النساء بأن كلاً منهن مثقفة أباً عن جد. للتواصل مع الكاتب [email protected]
#بلا_حدود