الأربعاء - 16 يونيو 2021
الأربعاء - 16 يونيو 2021

عن حرمة السفر إلى دبي

هذا زمن غريب حقاً، أن يمسك ثقلاء الظل الأغلاظ الأفظاظ بزمام تنوير عامة الناس ويتصدرون واجهة الإعلام الجديد للإعلان عن منهجهم ودستورهم في الحياة، فإذا ما عاشوا رفاهية جماهيرية لها العجب تنامى لديهم حس (اللقافة) على أدق تفاصيل حياة الناس وخياراتهم، وتحمسوا لإطلاق فتاوى (فنكوش) كافية لإيضاح حجم علمهم ووعيهم الذي يحملونه. قبل أيام أطلق أحد المتحمسين من الذين لا يملكون أي موهبة غير امتلاكهم لحساب في تويتر فتوى تحرم السفر إلى دبي رداً على سؤال لسيدة كانت تستفسر عن جواز السفر إلى دبي بدون محرم. مثل هذه الأسئلة غير ضرورية أصلاً، وكان بالإمكان تفاديها لأن تكرارها على الفضائيات صار مملاً، لكن الرد جاء أوسع من مقاس السؤال وأعطي إجابة شمولية تقتضي تحريم الذهاب إلى هناك بمحرم أو بدونه، لأسباب يرى الداعية أنها منطقية. وبالطبع فأنا لن أخصص هذه المساحة للدفاع عن براءة دبي العامرة ناصعة البياض من تهمة الفساد الديني والأخلاقي لأني أرى في هذا مضيعة للوقت، فالكل يعرف ما تكون دبي، وما شوهد بالأعين يصعب اختصاره في مجرد أسطر. لكن أن ينصب أحدهم نفسه حامياً للفضيلة وذلك بإغلاق ما يعتبره منافذ حتمية للشر فهو كمن يحارب طواحين الهواء، لأن ارتكاب الحرام الديني أو الاجتماعي لا يتحصل إلا برغبة واعية من الإنسان وباختياره المحض أساساً دون اعتبار خالص للمكان. وقد يكون المكان أحد العوامل، لكنه عامل هامشي لا يرقى إلى أهمية عامل الفرد نفسه وحريته في الفعل أو تجنب الفعل، وكل فرد لديه من الوعي الأخلاقي ما يجعله يفرق بين السياحة و«الصياعة». هناك كتيبة كاملة ممن فقدوا اتزانهم في زحمة الحشد الجماهيري حتى أغوتهم الشهرة تخصصوا في هذا النوع من الفتاوى والتغريدات الجامحة، ولم يعودوا قادرين على ضبط تغريداتهم التي أصبحت تثير الاشمئزاز والذهول والمرارة. والحق أن المشكلة الآن لم تعد في فتاوى بهذا الحجم، وأظننا بصدد بلوغ مرحلة من الاعتياد عليها، لكن هذه الرسائل التي تدعو إلى النشاز من كل شيء وتحمل بداخلها معاني مبطنة للمقت والحقد والرفض ولفت الانتباه تجد دائماً من يصغي إليها في حب وحماس ودفاع مستميت. ومع فتاوى كهذه لا عجب أننا نهوي للقاع بلا توقف. للتواصل مع الكاتب [email protected]
#بلا_حدود