الخميس - 24 يونيو 2021
الخميس - 24 يونيو 2021

«إن من البيان لسحراً»

في بداية مشواري العملي تلقيت نصيحة من رجل بخيل، أو هكذا بدا لي في ذلك الوقت، حدث ذلك عندما أخبرته عن اقتراح قدمته للمدير، لكنه لم يكترث له كثيراً، وربما يكون قد أهمله تماماً وضاع بين الأوراق، وكنوع من التسويف طلب مني أن أقدمه له مكتوباً بإيجاز، فقال، وكان دكتوراً في الفلسفة وعلم المنطق «سأهديك هدية تساوي مليوناً، وهي نصيحة إن عملت بها فإن اقتراحك سيتم قبوله، ولكن رجاءً لا تخبري بها أحداً، فهي خلاصة خبرة عشرين عاماً، أخصك بها فلا تعمميها»، وأطال في هذه المقدمة كثيراً حتى ضجرت وتململت وشعرت بضياع الوقت وأنا أنتظر، وهان عليّ أن أخبره بأنني مستغنية عن نصيحته، ولست بحاجة إليها من قريب أو بعيد، إلا أن فضول المعرفة منحني الصبر لعلني أتعلم الجديد، وبالفعل انتظرت حتى وصل بكلامه إلى الزبدة، إذ قال نصيحتي لك أن تستهلي ورقتك بعبارة «عطفاً على الحديث الذي جرى بيننا، ونزولاً عند طلبك» .. ثم صيغي اقتراحك. لا أخفي أني خرجت من هذا اللقاء بانطباع سلبي عن هذا الدكتور، أبسطه أنه بخيل، وأنه قدّم أمراً ليس ذا قيمة بالحجم الذي توهمه، لكنني عملت بنصيحته، وتم بالفعل قبول المقترح، ومنذ ذلك اليوم وأنا أعمل بهذه النصيحة، وللحق فإنها ما خابت مرة واحدة. أدركت بعد حين أنها نصيحة ذهبية مضمونة النتائج، والأرجح أن مرجع ذلك نفسيّ، إذ تُشعِر الآخر الذي تتقدم إليه بالطلب بالمسؤولية تجاه مطلبه أو حديثه، فيتعامل مع الأمر بجدية في غالب الأحيان، ومن هنا نستنتج بالفعل «إن من البيان لسحراً» والأمثلة على ذلك كثيرة، فكم من كلام أنقذ صاحبه من التهلكة. يحكى أنه في عهد الحجاج بن يوسف الثقفي، انقلب عدد من الرجال عليه يريدون إسقاطه أو اغتياله، فكشف الحجاج المؤامرة، وقبض على جميع المشاركين فيها، فعُرضوا عليه الواحد تلو الآخر، وكان يأمر بقطع رأس كل منهم، ما نجا منهم إلا رجل، فعندما عُرض عليه سأله الحجاج عمّا دعاه للمشاركة مع المتآمرين، فأجاب: حباً فيك شاركت معهم، تعجب الحجاج من إجابته واستفسر عن مقصده، فقال الرجل أعرف أنني نحس، ما شاركت في أمر إلا فشل، فعندما علمت بتآمرهم عليك أحببت أن أشارك حتى تفشل مؤامرتهم، والدليل على صدق قولي وقوفنا جميعاً بين يديك الآن، فابتسم الحجاج وأعجبه ذكاء رد الرجل وعفا عنه، فقد أنقذه كلامه الذي فعل في الحجاج فعل السحر. للتواصل مع الكاتب [email protected]
#بلا_حدود