الجمعة - 18 يونيو 2021
الجمعة - 18 يونيو 2021

جَلجلة

في الوقت الذي فجر فيه الراحل محمد عبدالوهاب قنبلة «من غير ليه» محدِثاً ضجيجاً بأغنية واحدة في الفراغ الممل في الأغنية، كان ثمة شاب يوزع موهبته الخاصة على بني جيله، ويعمل بجدية على تقديم قالب مختلف يكسر احتكار الأنماط التقليدية في موسيقى العرب. ولم يكن القادم من ليبيا إلى مصر في نهايات القرن الماضي، يفكر كثيراً في فعالية ما يقوم به، لقد كان مهووساً بلونه الموسيقي الذي صار فجأة مكوّناً رئيساً لنجاح أي أغنية. مئات الأغنيات وعشرات المطربين الذين صار بعضهم رقماً مهماً اليوم في الأغنية العربية، بغض النظر عن مستواهم الفني، كان له الفضل في دخول أغنياتهم بيوت ملايين العرب، وأن تشكل موجة غناء حديثة صار اسمها لاحقاً «الأغنية الشبابية». توفرت له جميع عناصر النجاح التي جعلت اسمه ضارباً على ذلك النحو: موهبة ليست عادية بالتأكيد تتكئ على إيمان عميق بأهمية ما تفعله، وعمل دؤوب، وإصرار على الوصول بمنجزه إلى الناس، والحظ بالطبع الذي منحه توقيتاً ملائماً وساحة فنية خالية بانتظار من يضيف لها بصمة مختلفة، بالإضافة إلى التطور الكبير الذي أصاب تقنيات التسجيل والبث، ما جعل فرصته مضاعفة في الوصول إلى الأسماع والأعين أيضاً. وبرغم اختلاف الكثير معه واعتباره مخرباً يعمل على إفساد الذوق العام، وأنه من أكبر مسببات الهبوط بالذائقة الفنية، كان على الناحية الأخرى آلاف يرحبون به، كانوا بلا صوت ولا توجه إبداعي يعبر عن طموحهم، كان جمهوره جيلاً يشعر بالخيبة، جيل ما بعد انهيار الشعارات، انعدام القدوة، وانتشار سرطان الفساد السياسي والمالي في جسد الخريطة العربية، والأحلام التي انتهكت تحت كل هذا. كان حميد الشاعري بعد كل هذا مزماراً ملائماً للفرح، يجيد توظيف مواهبه في التلحين والتوزيع الموسيقي واختيار الكلمات الملائمة لخذلان جيله، ويعبر بها عن انفعالاته العاطفية، ويبدع فيها ليدعم صوته العادي الذي لم يخدمه مغنياً، فأدرك هذا وقال بوضوح: «إنني مؤد بإحساس عال»، وكان يمر على الناس بأعماله، مثل المزارع الذي يسير في الأرض ناثراً بذوره في كل اتجاه، عارفاً أن يوماً ما سيأتي ويرى هذه البذور، وقد استحالت شجراً من الأغنيات وثماراً لم ينصفها الوقت بعد. [email protected]
#بلا_حدود