الخميس - 24 يونيو 2021
الخميس - 24 يونيو 2021

أساليب تضليل مبتكرة

طلب أحد مرشحي الرئاسة في الولايات المتحدة مرة من سكرتيره الخاص أن ينشر عن منافسه في الصحف نفياً بأن هذا المنافس لم يختلس المبلغ الفلاني ولم يتم ضبطه بهذا الفعل المشين، وأن كل ما أذيع عنه كان مجرد إشاعة سخيفة. عندها استغرب السكرتير وقال في دهشة: لكن أحداً لم يتهمه بشيء كهذا من قبل يا سيدي. فرد المرشح: وهذا ما نفعله بالضبط، لم يتهمه أحد بشيء كهذا لكننا نحن نقوم بنفي تهمة غير موجودة ستجعل الناس منه في حيرة وتخبط، النفي لن يبطل التهمة بل سيحفز أذهان الناس كي تنظر إلى هذا النفي كنوع من التستر على فعل أكيد، ولا دخان من دون نار. وهنا سيعتقد الجميع بأنه لابد أن هناك تسوية خفية قد جرت بين الطرفين أدت إلى نفي هذه التهمة، وأن هناك جزءاً من الحقيقة في الموضوع لا يعرفونه. إن هذه الحيلة والحرب القذرة عن طريق التلميحات وإيقاظ انتباه الناس لاستدراج حفلة من التخمينات تمارس على المستويات كافة أكانت في الإعلام أو بالفطرة لدى البعض، نفي تهم لم تكن واقعة وإشاعات لم تقال بالأساس، وهي طريقة فعالة جداً لنثر الغبار حول موضوعات مبهمة تثير استفهامات الناس حولها وشكوكهم. هناك صحف كانت تحترف هذه الصنعة على شخصيات أو مؤسسات تحمل لها إما عداوات أو منافسة حامية، أو ربما أن ثمة من يدفع لها لتسوية أغراضه الخاصة ويطلب منها ذلك فتوافق بترحيب بالغ، وطبعاً كانت هذه اللعبة تمارس بكثافة شديدة قبل أن يخلق القارئ الذي يعي هذه التخبطات ويفطن لها، فهي تنشر على لسان أحدهم كلاماً يفهم منه توكيدات خفية على اتهامات باطلة لخصم آخر، لكن بأساليب نفسية غريبة تلقى الرواج والتصديق بصورة سريعة. الطرق التي تصر بعض وسائل الإعلام على التمسك بها لتضليل الجمهور وإغوائه كثيرة جداً، وطريقة المرشح الأمريكي هي جزء من منظومة كاملة من الإيهامات الذكية. سأنفي التهمة بطريقة تبدو حسنة النية، لكن القارئ سيستنتج الحقيقة المداراة بنفسه وذكائه. حكى أحد الكتاب مرة قصة مماثلة حدثت وهي للدكتور محمود جامع عندما نفى الإساءات التي نشرتها صحيفة شهيرة عن السادات وعائلته نسبت إليه، وقال إن ما نشر كان مجرد دردشة عامة جاءت قبل الحوار الذي أجري معه، وأن ناشر الحوار استغلها استغلالاً سيئاً؛ ثم أكد أن جيهان السادات لم تستولي على عقد ماسي بقيمة ثلاثة ملايين جنيه كما جاء في الحوار! هذا النفي يشكل بحد ذاته إثباتاً صريحاً لدى المتلقي، لا حاجة لك بأن تقسم أن هذا هو الذي حدث فعلاً وتغمز له بعينك كي يفهم ألاعيبك، لكنك تعطي إشارات مفهومة تكفي لتصل كما تريد لها أن تصل. [email protected]
#بلا_حدود