السبت - 19 يونيو 2021
السبت - 19 يونيو 2021

جبل الثلج

في ندوة مناقشه كتابه «اللاهوت العربي» تحدث الدكتور يوسف زيدان بإيجاز عن حقيقة هامة هي مبدأ وقضية إدراك «المنهج العلمي». يقول وسأذكر ذلك بتصرف، إننا مفتونون بالإنجازات التي حققها علماء المسلمين الأوائل مثل ابن النفيس وابن سينا والخوارزمي وغيرهم كما أننا متابعون جيدون ومهتمون لأقصى الحدود بالاكتشافات الحديثة التي تصل «معلبة»، إنما الواقع عكس ذلك حين يغيب فيه عن فهمنا وإدراكنا المبدأ الذي انتهجه العالم أو المخترع أو المكتشف في سبيل الوصول إلى نتيجته النهائية التي يستفيد منها العالم وتُصَدر إلينا فنستقبلها بحفاوة كبيرة، وترتقي بسرعة لتصبح من أساسياتنا اليومية. نحن -والأمر ينطبق على أجيال عدة متوالية- في مناهجنا التعليمية نتعرض لخلل كبير في أسلوب تبتغي منه الهيئات التدريسية والأكاديميون رفع مستوى الطلبة وبالتالي الجيل؛ إذ إن- على سبيل المثال- إخبار المتعلم بأن غراهام بل هو مخترع التليفون وإن كان في الأمر قول آخر- وتكرار هذه العبارة مراراً لن يصل به إلى أي نقطة إيجابية أو خطوة متقدمة، بينما إن أنا قمت بشرح المنهج العلمي الذي سلكه بيل أو غيره للوصول إلى هذا الاختراع فسأبني شخصاً منتجاً وأروي في بذرة الطالب ذاك أملاً باختراعات مستقبلية يكون هو مصدرها فتُكسر الدائرة المفرغة التي يدور فيها الطالب والنظام التعليمي ثم المجتمع كمجموعة ضخمة من المستهلكين والمتفرجين. أمر آخر ذكره زيدان ويرتبط بقضية المنهج العلمي ومبدأ التفكير المستقل وهو إعمال العقل والمنطق وهي قاعدة تعود لابن خلدون في الأساس. انتشر بين كثير ولا يزال حتى الآن القول بأن الدكتور مصطفى محمود- رحمه الله- كان ملحداً ثم اهتدى بالعقل والتفكير إلى الإيمان مستدلين، بذلك من عنواني كتابيه «حوار مع صديقي الملحد» و«رحلتي من الشك إلى الإيمان»، دون أن يكلف هؤلاء أو من تناقلوا قولهم عناء قراءة الكتابين أو حتى البحث والسؤال، إذ عندها سيكتشفون كما صرح الدكتور بنفسه أكثر من مرة بأنه ببساطة مفكر وقد استخدم هذا المنهج للإقناع والوصول إلى الحقيقة ليس إلا! إن مسألة التفكير والبحث وإعمال العقل كلها أزمات نعيشها، نرى المشكلة اليوم مثل قمة جبل الثلج دون أن ندرك أن أضعاف حجم هذا الجبل مستتر عنا في المحيط يخفي خطره ... [email protected]
#بلا_حدود