الاحد - 20 يونيو 2021
الاحد - 20 يونيو 2021

المعرفة قوة قد لا نتحملها

قال الحكيم كونفوشيوس «لا يمكن للمرء أن يحصل على المعرفة إلا بعد أن يتعلم كيف يفكر». قفزت هذه العبارة أمامي وأنا أتابع التعليقات التي جاءت على إضافة لأحد الأصدقاء الكرام أشار خلالها إلى برنامج في إحدى القنوات الفضائية العربية يستضيف رئيس معهد العالم العربي في باريس، لافتاً النظر إلى أنه يتحدث بالفرنسية. الخبر عادي أراد واضعه مشكوراً التنويه لمن يهمه المتابعة، اللافت للنظر كان التعليقات التي انبرى أصحابها يسخرون من فكرة أن رئيس المعهد العربي يجهل اللغة العربية، وقد رأى البعض أن من أضاف التنويه هو الأحق والأجدر برئاسة المعهد، على اعتبار أن رئيسه الحالي لا يستحق المنصب فهو فرنسي، إلى آخر التعليقات الشاجبة للفكرة والوضع، ما عدا شخص واحد قد رأى أن هذا الاختيار هو خير لنا، فهو يحقق الكثير من التواصل والتحاور وما شابه. لقد اهتممت بمتابعة التعليقات، ذلك لأن أول تعليق لفت نظري، فأردت أن أتأكد أنه ليس الوحيد الذي يدل على أننا أناس ندلي بدلونا كيفما نشاء وفي ما نشاء، من دون علم بما نقول، ولا نكلف أنفسنا حتى مشقة تحري المعلومة ومعرفة الحد الأدنى حول ما نقول، على اعتبار أننا نملك دائماً إجابات جاهزة شافية وافية على كل شيء، فخبر عابر مثل أن معهد العالم العربي على قمته فرنسي كافٍ جداً لنبدأ بالتفاخر والتباهي أو بالتباكي والحسرة على أمجادنا التي ذهبت مع الريح، وما وجود مثل هذا الشخص في هذا المكان سوى أبلغ دليل على تراجع نهضتنا. الجهل ليس بالكلمة المعيبة كما نتصور إلا في حال تمسكنا به، فهو لا يعدو أن يكون بحسب التعريفات فهم موضوع ما من دون إحاطة كاملة بجوانبه، وهذا ما يعرف بالجهل البسيط أو العادي، أما الجهل الكامل فهو عدم العلم من الأساس بالموضوع ويتلاشى بمجرد معرفته، أما الجهل المركب الذي هو آفتنا فيعني فهم الأمر بعكس ما هو عليه والإصرار على الجدال والمناقشة وعدم المعرفة إلى الحد الذي يصل إلى إطلاق الأحكام والاقتراحات. باختصار، في ما يخص معهد العالم العربي في باريس الذي هو مؤسسة ثقافية ضخمة لم تحقق أهدافها بعد بسبب تقاعس بعض الدول العربية عن دفع حصتها التي تشكل في مجموعها 50 في المئة من ميزانية المعهد، أما النصف الثاني فتقوم بدفعه فرنسا وحدها .. قد تم التوافق منذ بداية إنشائه من أكثر من ربع قرن على أن يكون الرئيس فرنسياً، وعلى أن يكون مدير المعهد دائماً شخصية عربية .. والآن يفخر المعهد بأن على قمة إدارته سيدة من المملكة العربية السعودية، على درجة من الوعي والثقافة والعلم تجعلها جديرة بأن تكون أول سيدة وأول شخصية خليجية تتولى إدارته، أما رئيسه الحالي المثير للغضب فهو جاك لانج وزير الثقافة الأسبق في فرنسا، وربما الأكثر شهرة فهو صاحب فكرة تخصيص عيد للموسيقى في فرنسا، ومنها انطلقت الفكرة في ما بعد إلى العديد من بلدان العالم. أما في ما يخصنا، فبصدق أتساءل عن المعايير التي نبني عليها آراءنا؟ لو أن الأمر يتعلق دائماً بالأشياء البسيطة العادية لهان، لكننا بتكويننا الفكري والثقافي الحالي قد بتنا نقيم أدق الأمور في حياتنا بالكيفية والتسرع نفسيهما، على الرغم من وجود وسائل تقنية جعلت الحصول على المعلومة في متناول الجميع، لكننا لا نجهد أنفسنا حتى بالتأكيد على ما نملكه من معارف. هل نتمتع باكتفاء فكري ذاتي، وكل راضٍ وقانع بما لديه من معرفة ومعلومات؟ أم إننا نجد الأمر برمته لا يستحق منا أي عناء. للتواصل مع الكاتب [email protected]
#بلا_حدود