الجمعة - 18 يونيو 2021
الجمعة - 18 يونيو 2021

ما الذي تغير في حمدة

منذ طفولتها كانت حمدة تعيش وسط أسرتها المترابطة، في تلك القرية النائية المتوارية خلف الجبال. أسرتها الصغيرة ومدرستها القريبة ومحيطها الاجتماعي المحدود كانوا يمثلون مجتمعين مصادر الإثراء الثقافي الوحيدة في حياتها. لم يتغير حال حمدة كثيراً عبر مراحل عمرها المختلفة، منذ ولادتها في نهاية عقد التسعينات من القرن المنصرم، وحتى اجتيازها مرحلة المراهقة. فحالها كان شبيهاً إلى حد التطابق بأحوال بنات قريتها. طفولة هادئة، مراهقة حالمة، وشباب لا يطول في ظل الزواج المبكر الذي يمثل ثقافة سائدة جداً في مجتمعها التقليدي المحافظ. ولكن ما الذي حدث بعد ذلك، ولماذا تغيرت حمدة؟ البداية كانت مع إجادتها للغة الإنجليزية، فأصبحت تقضي ساعات طويلة خلف شاشة الكمبيوتر، ولا تكف عن البحث عن كل ما هو جديد في دنيا الثقافة عبر محرك البحث غوغل، الذي يطوف بها أرجاء الكرة الأرضية خلال ثوان معدودة. فاتسعت مصادر الإثراء الثقافي لديها، وأصبحت تقرأ لنورا إفرون، ومارغريت ميتشيل، وإليزابيث جيلبرت. من بعد ما كانت قراءاتها تقتصر على الصحف اليومية، والكتب المتوفرة في مكتبة المدرسة. أما التغير الأكبر الذي طرأ عليها، فبدأ منذ تسجيلها في مواقع التواصل الاجتماعي، والبداية كانت مع الفيس بوك، مروراً باليوتيوب، وانتهاءً بالموقع الشهير والمثير للجدل تويتر. حمدة اليوم لم تعد تقضي ساعات النهار في الحديث مع شقيقاتها مريم وفاطمة وعائشة، فهي دائمة التحديق في جهاز الآيباد الخاص بها، خصوصاً بعد أن كونت صداقات وثيقة مع حليمة من وهران، وساندرا من لوس أنجلوس، وجنيفر من ريودي جانيرو. وتطور الأمر بعد ذلك، وكونت صداقات أكثر جرأة وانفتاحاً مع طوني من بيروت، وجوي من طوكيو، وألبرت من فرانكفورت. الوضع بالنسبة لها أصبح ممتعاً للغاية، فما تقرؤه وتسمعه وتشاهده عبر صداقاتها العابرة للقارات، فتح أمام عينيها عالماً مليئاً بالإثارة. تتجدد أحداثه في كل دقيقة، ولا يمنحها أي فرصة لالتقاط الأنفاس. ولكنه في الوقت نفسه أخرجها من حالة السكينة التي كانت تعيش فيها، وأثار لديها أسئلة وجودية عميقة، وزعزع في عقلها ثوابت وقناعات، لم تكن تتوقع يوماً أن تُمس. بعد صلاة العشاء التم شمل الأسرة على وجبة العشاء، وبدأ الأب المسن في سرد حكاياته المكررة على مسامع بناته، كما كان يفعل، خصوصاً في مراحل طفولتهن الأولى. لكن شيئاً ما تغير في ابنته الكبرى، فلم تعد أذنيها تُصغيان إليه، ولم تعد عينيها تحدقان فيه، وكأنها تتعمد أن تمرر إليه رسائل مبطنة، تخبره من خلالها بأنها لم تعد حمدة الصغيرة، وبأن حكاياته القديمة لم تعد تناسب تفكيرها. في الساعات الأخيرة من المساء، وقبل أن يضع الأب رأسه على المخدة، التفت إلى زوجته التي تصغره بأكثر من عشرين سنة، والتي كانت تتصفح آخر الأخبار والطرائف التي وصلتها عبر البلاكبيري، وسألها في حيرة وقلق: ما الذي تغير في حمدة؟ للتواصل مع الكاتب [email protected]
#بلا_حدود