السبت - 19 يونيو 2021
السبت - 19 يونيو 2021

«شو بخاف»

كنت أتأمل أحداث فيلم سينمائي حظي بطله بنعمة التجرد من شعور الخوف، اجتثاث كامل وحاسم للخوف بما يتضمنه من مشاعر الرهبة والقلق والتوتر وغيرها من الأحاسيس الممهدة أو المصاحبة له .. الأمر الذي امتلك فيه بطل الفلم تلك القدرة الخارقة على التحكم بكافة انفعالاته لتأتي مفصلة على مقاس إرادته تماماً .. ملامح واجمة أغلب الوقت .. ابتسامة يدرك تماماً متى تظهر ومتى تغيب .. لا حاجة للبكاء، تصرفات دقيقة حذرة وإلى آخر الأمر من جمود .. وفي الحقيقة وجدتني أنتهي لأن أخاف من ألا يكون هناك خوف فعلاً على النمط الهامد ذاته الذي صوره العمل السينمائي. ومما حدا بي أيضاً لأذهب إلى تساؤلات أولها أيكون التجرد من الخوف نعمة فعلاً؟ هل يكون الإنسانُ كاملاً بدونه .. إذاً أين سيذهب ذلك الشعور العاتي بالانتصار بعد كسر أي حاجز من المخاوف المختلفة بفضائل أخرى كالإقدام أو الشجاعة أو التحدي أو الثبات .. أيمحوها التجرد من الخوف؟ ماذا عن مخاوف الفقد؟ .. رهبة النظرة الأولى للحب؟ .. تلاحق الأنفاس؟ .. انخطاف اللون .. ؟ التوتر الذي يخلقه خوف العاشق من صد المعشوق؟ قلق الانتظارات الطويلة خشية ألا يحدث اللقاء .. أليست نتاج خوف من نوع شفاف وصادق؟ .. أين ستذهب مباهج ما بعد الرعب الآني ذاك؟ أين سيذهب ألق الحب التام .. ألا تنتفي بانتفاء رهبته تلك الاستثنائية منها التي يحملها إلى الحياة لتخلق منه حدثاً خاطفاً لا يمر في الذاكرة مروراً عابراً. ماذا عن مخاوف النسيان؟ الاضمحلال، الفناء .. كلها مخاوف بالأساس، لكنه الخوف الدافع الذي خلق ما خلق من محاولات مجابهة كل ضعف ما بالنحو إلى قوة أخرى معاكسة .. أنت تكتب لكي لا تنسى وتُنسى .. ترسم لتقول شيئاً للزمن المقبل .. تصور لتثبت لحظة قد لا يتسنى لها أن تتكرر بعد الآن .. تمثل لأنكَ خائفٌ من أن تفوتك الحياة وأنت تعيش ثوب شخصك الضيق الوحيد ولأنك تريد أن تقول للآخر أنا لستُ أقل من أن أكونك وأنت لست أقل من أن تُلامسني .. تسكنني .. أجسدك وتصنعني. تذهب الأمريكية مارلين فريجسون في تحليلها للخوف لتقول «نعرف في أعماقنا أن الوجه الآخر للخوف هو الحرية» باعتبار أنه اللحظة الدقيقة والحاسمة التي تسبق تحطيم القيد .. اللحظة الذي يعقبها ذلك الانعتاق العظيم .. القدرة على النفاذ نحو فعل الحرية .. إنكَ بمجابهتك لكل مخاوفك أعزل ومتجرداً من أي اعتبارات مسبقة أو توقعات لاحقة .. تكون قد تحررت فعلاً .. بكونك امتلكت نفسك وصرت السيد الأوحد المتحكم بها .. ولكنك أولاً تحتاج لأن تستفز بالخوف بشدة .. الشدة التي تكاد من بعدها لا تعيش .. لتدرك لاحقاً القيمة الفعلية لحريتك فلا تفرط بها بعد ذاك أبداً. إنني لا أنحو هنا إلى تمجيد الخوف .. لكنني أرى أن لا نعمة حقيقة في التجرد من الخوف بالكامل .. أذهب إلى إضاءة تلك المساحة المبنية على ردات الفعل التي تعقبه .. لو أنها أتت من دونه فإنها بالتأكيد لم تكن لتستحق أن تذكر. إنني لا أذهب هنا إلى تمجيد الخوف بحد ذاته كقيد ومانع وسلاح في آن هش يتآكل بمرور الزمن وفق مقتضيات تطور الإدراك البشري .. ولا أمجد في الوقت ذاته الكائن الهزيل الضعيف الذي يأتي ليبرر ما بعد الخوف من جبن وهزيمة .. إذ لا استعمال للجبن كما صرّح المهاتما غاندي .. فأنت ومن موضع المحك الذي كنته تقرر إن كنت تريد أن تصنع من خوفك ضوءاً خاطفاً يرشدك أو تحوله بهشاشتك اللامحمودة إلى وحش يسيرك وفق قواعد السلامة الواهية التي ستنتهي بدونها في نهاية المطاف على أية حال .. إنني أصف الخوف في ختامي كنعمة .. لا نحتاج لأن نحاول نفيها أصلاً .. خافوا على قدر استطاعتكم .. ولكن خافوا من الخوف ذاته أيضاً. خافوا من فكرة الخوف لمجرد الخوف .. من اعتياديته التي تصيّركم لكائنات هلامية .. راكدة .. كأن لا اختلاف بينكم ولا شكل لكم ولا صوت ولا كيان. للتواصل مع الكاتب [email protected]
#بلا_حدود