الخميس - 17 يونيو 2021
الخميس - 17 يونيو 2021

يفعل الطرب ما لا تفعله السياسة

ما نوع التهمة التي تحوم حول رأس محمد عساف حتى يتلقى كل هذه الشتائم الجارحة والإهانات؟ وما ذنب الآلاف الذين تجمهروا في الناصرة ورام الله والقدس وغزة من أجل الاحتفاء بانتصار إرادة الحياة على إرادة الظلام والموت؟ شاب فلسطيني خرج من أنقاض القهر، وثمة سحر لا يوصف في ثنايا صوته، وتأثيره على العالم العربي الذي أحس بدبيب الحياة في عظامه من جديد بعد أيام سياسية عصيبة كان كاسحاً. لقد أثبت عساف للعالم أن روحه لاتزال غضة على الرغم من اسوداد المشهد ومن كل ما سلب منه، كان له صديق استشهد وابن عم أسير في السجون الإسرائيلية حاله حال الكثير، لكنه تخطى كل الحواجز في صمود ليذكّر الناس باسم فلسطين الذي اُستغل أو نُسي أو كاد. هناك من خصص لنفسه مهمة في الحياة وهي أن يتصدى للفرح كيفما كان شكله، ويستكثر على الناس التفاصيل التي تسعدهم، كأن هذا الشاب النحيل هو السبب في كل ما تعرضت له بلاده وبلاد الجوار من مصائب ومطبات سياسية، حمّلوه كل هم فلسطين مثلما تحملت أم كلثوم نكسة ٦٧ من دعاة التخلف وقتل الفن والأمل. وهناك من نظر إلى الأمر نظرة مادية تحسد الشركات التي ربحت بضعة ملايين من وراء هذه البرامج التي ترعى مواهب شبابنا وفتياتنا، وتنتقد تهافت الجماهير لزيادة أرباحها على ما يراه هو تفاهة وضحالة اهتمامات. وهنا أقول شكراً لهذه الشركات التي تربح من وراء إسعاد الناس وترفيههم ورسم الابتسامة على وجوههم وتدعيم قدراتهم الفنية وإبرازها على السطح، فمن غير المعقول تصويب سهام النقد اللاذع دائماً تجاه كل محاولات تهزم الكآبة والهم. مثل هذه البرامج تسعى لإظهار قدرات الناس للجمهور وضمن منافسة حقيقية موجودة في معظم الفضائيات العالمية وبجماهيرية عالية دون أن تقف منها تلك الشعوب موقفاً سلبياً، فهي تجد فيها متنفساً رحباً، علاوة على أنها تقدّر الفن وتعطي الفرص للمواهب بالظهور وتعريف الناس بها. حتى السياسة دخلت في صلب القضية وانتقدت هذا الفرح العارم الذي تراه بلا معنى، وثمة انتقادات سياسية وصلت من هنا وهناك، خصوصاً بعد اتصالات زعماء من فلسطين تدعم هذا الشاب الذي صار ملء السمع والبصر. لكن الشباب العرب من خلال احتفائهم بالفن يردون أبلغ رد من خلال تجاهلهم تلك النداءات السياسية والدينية وغيرها التي سودت عيشتهم وملأت دنياهم بالسواد وأصابتهم بالقرف والنكد، وكانت سبباً في تصديرهم إلى العالم كوحوش ضارية تعشق الموت والدم والحقد والكراهية، وهم من هذه الزاوية بالذات يثبتون للعالم أنهم بشر عاديون يحبون الحياة والفن ويطربون للصوت الجميل، ولا يجدون بأساً من الاحتفال به. للتواصل مع الكاتب [email protected]
#بلا_حدود