الاثنين - 14 يونيو 2021
الاثنين - 14 يونيو 2021

الفن ما جعل شعوبنا تتعارف وليست السياسة

بعد وصولي والاستقرار في باريس، وهذه تعد بداية اختلاطي الحقيقي بالعديد من أبناء الجاليات العربية الأخرى خصوصاً المغاربية، والاقتراب من ثقافاتها وفنونها وحجم الاختلافات في ما بيننا أيضاً كشعوب ننتمي إلى منطقة واحدة. بصدق، فوجئت بأنني جاهلة تماماً بالكثير من اللهجات العربية، ما يشكّل عليّ صعوبة في فهمها. على العكس مني تماماً كل من التقيت بهم بلا استثناء يعون ويفهمون بل ويتحدثون في أغلبيتهم اللهجة المصرية بشكل سليم لافت للنظر، وقد كانت الإجابة دائماً جاهزة «إنها الأفلام والمسلسلات والأغنيات العربية التي تربوا عليها وأحبوها منذ الصغر». هو الفن إذاً وليست السياسة، ما جعل الشعوب من حولنا تتفاعل وتقترب من عاداتنا وتقاليدنا وتركيبة مجتمعاتنا. الحقيقة ليس هذا هو الدافع على الإطلاق الذي جعلني على مدى الأسبوعين الماضيين، أصر على مشاهدة العديد من الأفلام العربية القديمة التي قمت بانتقائها بشكل عشوائي، فالسبب كان مغايراً تماماً، فقد أردت أن أعود إلى مجتمعنا الذي شاركنا كل من حولنا في معرفته، أردت عن تصميم أن أحاول عقد مقارنة بين ما كنا فيه من قبل، وما نحن عليه اليوم. نحو 20 فيلماً شاهدتها ولم أجد في أي منها سوى انعكاس لما كنا نتمتع به، ليس المصريون فقط ولكن شعوبنا كافة التي لامست تلك الأفلام صفاتهم وملامحهم. حملت هذه الأعمال الفنية قدراً رائعاً من البساطة والتدين والتمسك بالترابط الأسري والرضا وحب الضحك والوفاء، أتحدى أن يرصد أحد في فيلم من الأفلام القديمة حتى بدايات السبعينات كلمة واحدة تشير إلى التحرش، الاغتصاب، عدم الأمان، التشدد، السباب بألفاظ يقشعر منها بدن المشاهد .. إلى آخر العبارات التي تمتلئ بها أعمالنا الفنية الآن والتي هي أيضاً انعكاس واقع مجتمع طرأ عليه طوفان من التغيير، ما أثر في تركيبتيه النفسية والاجتماعية. لن ننكر أن طبيعتنا الساخرة هي وجه آخر للعملة، فنحن شعوب تميل إلى الحزن الخفي الذي لا تعرف له سبباً مباشراً في أحيان كثيرة، لذا أكدت أغلبية الدراسات النفسية أننا شعوب تحب الحياة والانطلاق وتجنح إلى الانطواء في الوقت ذاته .. وربما يفسر هذا ما كنا ولانزال عليه من اتكالية وسلبية وتخاذل وبطء في اتخاذ القرار وخوف لا حد له من التغيير حتى ولو كان في مصلحتنا، وهذه التركيبة كلها كانت تظهر في أفلامنا القديمة بوضوح، وربما هذا الوضوح هو ما جعل المحيطين بنا بفطرتهم يلتقطون كيف يتعاملون معنا بسلاسة ونجاح. عشرون فيلماً لم أتابع خلالها أي تحريض على لباس بعينه أو مظهر لابد من التقيد به، أو إدانة للمرأة العاملة أو المشاركة في الحياة الاجتماعية، فقط الأخلاق بكل ما تعنيه من قيم كانت القاسم المشترك فيها بلا استثناء. قد تغيرنا، هذا لاشك فيه، وللأسف لم نتغير بما يقتضيه تطور العصر، بل انعكست تغيرات العصر علينا بالسلب، ما يجعلنا نتساءل: من نحن، وماذا تبقى منا؟ ما هي التغيرات التي طرأت علينا، ولماذا، وكيف؟ شيء آخر، اليوم بعد تعدد القنوات الفضائية، حيث بات من السهل علينا جميعاً أن نتلاقى ونتفاعل، ويتعرف كل منا إلى الآخر بصورة أكثر فهماً ووعياً، إلا أننا في وقت يُحارب فيه الفن والفنانون، والثقافة والمثقفون، وتتناحر الأفكار ليقصي كل منها الآخر، لتتصدر القشور حياتنا وينتحر جوهر الأشياء. في هذا المناخ، كيف سيتعرف كل منا إلى الآخر، وعلى أي صورة؟ سؤال حائر في الإجابات. [email protected]
#بلا_حدود