الاحد - 13 يونيو 2021
الاحد - 13 يونيو 2021

أعطني الناي

في رائعته الخالدة (أعطني الناي)، قال جبران خليل جبران «أعطني الناي وغنّي، فالغناء سر الوجود، فأنين الناي يبقى بعد أن يفنى الوجود»، وفي أجمل أبيات القصيدة أكمل متسائلاً: «هل جلست العصر مثلي بين جفنات العنب، والعناقيد تدلت كثريات الذهب». ويبدو التصوير هنا رائعاً جداً، وشديد الالتصاق بالطبيعة، فالشاعر ربط ما بين لذة الحياة وجمال الطبيعة، وهو ربط منطقي جداً ولا يختلف عليه اثنان. لا أدري لماذا تذكرت هذه القصيدة وأنا أقضي لحظات لا تنسى من المتعة والمرح مع أطفالي في حلبة دبي مول للتزلج على الجليد. فرغم عدم وجود العشب والأشجار والسواقي في تلك المساحة المغطاة ببياض الثلج، إلا أن الإحساس بالحياة كان حاضراً بقوة، وتراه بوضوح في تلك الوجوه المبتسمة والأجساد الرشيقة والحركات المتناسقة النابضة بالصحة والحيوية والفرح. طفلة سعودية تسقط على الأرض فتمتد لها يد شاب إماراتي لتساعدها على النهوض، طفل مصري يتشبث بأطراف الحلبة فتمتد له يد شابة لبنانية لتدربه على التزلج، في مشهد إنساني جميل ومعبر نرى فيه الجانب المشرق من الحياة، حيث يسود الحب والإخاء وتتلاشى البغضاء والكراهية. اللافت للنظر هناك، هو إدراك الجميع لحقيقة مهمة هي أن مساحة السعادة تكفي للجميع، فلا مبرر إذن لمشاعر الأنانية. بل يكفي أن ننطلق محلقين في سماء الفرح، جنباً إلى جنب مع الآخرين. وهذا يفسر ارتسام الابتسامة على وجوه الجميع، فلا تكاد ترى وجهاً واحداً يعتليه الوجوم أو التجهم. وهنا تبرز حقيقية أخرى يغفل عنها الكثير من البشر، ولو أدركوها بيقين لتلاشت الكثير من المشاكل والصراعات والحروب، وهي أن السعادة تتضاعف بالمشاركة وتتناقص بالاحتكار. عند مدخل الحلبة لمحت أباً عربياً يمسك بطفلته ولا يسمح لها بالدخول، وعندما سأله أحد المشرفين عن السبب، أجابه بأنه يخشى عليها من أي مكروه يصيبها وسط هذا الحشد المتعدد الجنسيات. فطمأنه المشرف قائلاً: «لا تخشَ على طفلتك، فكل شيء هنا محسوب بدقة، وجميع مواصفات السلامة متوفرة، والقانون يضمن انضباط سلوك الجميع». فانطلقت بعدها الطفلة منتشية بمشاعر السعادة، لتأخذ مكانها وسط ذلك المشهد الجميل. تمنيت في تلك اللحظة لو امتد العمر قليلاً بشاعرنا الجميل جبران، ليشهد قيام دولة الإمارات ونهضتها وازدهارها، وتطور فكرها السياسي والاقتصادي والاجتماعي. فقد تجود قريحته حينها بقصيدة أخرى أكثر شمولاً، يضمنها أسراراً جديدة للوجود، منها الإيمان والعلم والعمل والقانون والعدالة والتنمية والتنوع والتعايش والتسامح والتكامل والاحترام. فهي أسرار جديرة بالتأمل والاهتمام، فبها تزدهر الأمم، وتتواصل الحضارات، وتتقارب الشعوب. فثريات الذهب لم تعد تلك العناقيد التي تغنى بها في قصيدته الأولى، بل هي الإمارات السبع المكونة لعقد الاتحاد الفريد، والتي تنير بضيائها اليوم فضاء الواقع العربي الغارق في العتمة. [email protected]
#بلا_حدود