الجمعة - 25 يونيو 2021
الجمعة - 25 يونيو 2021

صانع الفرح

ليست الموسيقى حالة قابلة للتعريف أو صندوقاً يمكن السيطرة على شكله وما يجيء فيه، هي انفجار محض بلا ملامح معروفة أو زوايا متوقعة. ومما تفاجِئنا به الموسيقى أنها تقف بباب الروح ضيفاً غير متوقع، نتوجس منه أولاً، ثم نحاول سريعاً ترتيب هندامنا لكي نتمكن على الأقل من المثول أمامه بمظهر نصف معقول، ونتمكن من استيعابه، لكنه يتسلل إلينا قبل أن نقوم لنفتح الباب ويحتلنا. وهكذا يفعل كل متفرد بما يقدمه، مثل من يباغتنا بنحيبه، يطل على المسرح وهو يحمل ضحكة لا تفارقه مهما كان بؤس الكلمات التي يغنيها، ومهما كان اللحن يقطر بالألم، وهو بحضوره يمنح بُعداً راقصاً لا يتوفر إلا على إيقاعه. بعض المطربين يتقافزون كالأرانب على المسرح لاستثارة الجمهور واستجداء التصفيق، بينما كان الشاب خالد يجلس في إحدى حفلاته الصيفية على كرسي، وساقه محشورة في الجبس، يغني وهو ينظر إلى السماء المفتوحة، يكاد لا يتحرك، بينما تولى الجمهور الرقص والصراخ، كأن في حضوره ما يبعث الناس على الخروج من ثيابهم والافتتان فجأة بأجسادهم، يفرحون بها ويدفعونها إلى الرقص كما لو أنها قرابين تُقدم لصخب «الراي». وبرغم أن المشرق العربي لا يزال يعاني صعوبة في استيعاب المفردة المغاربية التي يظلمها الغياب الإعلامي أو ربما كسل المشارقي الذي لم يجتهد للوصول لها كما ينبغي، لكن من قال إن الموسيقى تحتاج أكثر من حاسة فريدة تلتقط وهجها فتنتشي؟ ومن قال إن صوتاً «محلياً» جداً مثل الكلمات التي يغنيها لا يستطيع الوصول إلى أقاصي الأرض بواسطة هذه الخلطة من شجن يحمل الصبغة العربية واللكنة الفرنسية التي أتقنها وتأثر بها، وصار هذا المزيج بموسيقاه الفريدة تذكرة مروره إلى المشهد العالمي متجاوزاً حدة المشهد الجزائري الذي كان مشغولاً بالعنف السياسي وممزقاً بين أصحاب الأهواء الذين حاولوا طمس الفن باسم ما يظنونه ديناً. مهما كان اختلاف الذائقة، فإن أحداً لا يستطيع القول إن هذا النجاح قد هبط من الفراغ، أو إنه تشكل نتاج صدفة أو خبطة حظ، فالفن لا يعترف بالصدف ولا يمنح خلاصته إلا لمن ينحت الوقت، ويستطيع رغم كل حزنه أن يمنح الفرح بابتسامته التي لا يعلم أحد ماذا يخبئ خلفها. [email protected]
#بلا_حدود