الثلاثاء - 22 يونيو 2021
الثلاثاء - 22 يونيو 2021

ماركات وحقائب

«الماركات هي أكبر حيلة تسويقية اختلقها التجار الأذكياء لسرقة الزبائن الأثرياء، فصدقها البُسطاء». هذه المقولة المنسوبة إلى أحد الوزراء الفرنسيين أراها تعبر بصدق عن النمط الإنفاقي السائد في الكثير من المجتمعات المرفهة التي يتسابق أفرادها تحت وطأة المباهاة الاجتماعية لاقتناء أغلى الماركات دون الالتفات إلى مبدأ اقتصادي مهم جداً وهو القيمة مقابل المال، والذي يجنب المستهلكين (في حاله استيعابه) الكثير من الأزمات الاقتصادية المحتملة. فمفهوم الماركة يرتبط بعلاقة مباشرة بالشركة المنتجة، وبعلاقة أخرى غير مباشرة بالمستهلك المستهدف. ويجب أن نفرق هنا ما بين العلاقتين وما يترتب عليهما من آثار ونتائج. فعندما تبتكر شركة جديدة ماركة لها فهي بذلك تحدد أشياء عدة من خلال تصميم هذه الماركة، من ضمنها الفكرة والرؤية والأهداف واستراتيجيات التسويق والمزايا التنافسية لمنتجاتها. أما علاقتها بالمستهلك فلا تتجاوز كونها علامة تحدد مدى عراقة السلعة، وبدرجة أقل جودتها. فبعض الشركات نجحت في بناء سمعة جيدة لماركاتها عبر الزمن، وكسبت بالتالي ثقة المستهلكين، فازداد الطلب على منتجاتها، فارتفعت أسعارها تبعاً لذلك. فالسعر ينتج غالباً عن تفاعل قوى العرض والطلب، وكلما زاد الطلب على سلعة معينة امتلكت الشركة المنتجة لها ميزة تنافسية تمكنها من رفع أسعارها دون خسارة نسبة مؤثرة من زبائنها. وهنا يطرح السؤال المهم نفسه، هل يعني ذلك بالضرورة رداءة السلع الأخرى، التي لا تنتمي لماركات شهيرة؟ بالتأكيد الإجابة ستكون بالنفي، فالكثير من السلع التي تنتجها شركات مغمورة، تتمتع بمواصفات جودة مماثلة لتلك التي تنتمي لماركات ذائعة الصيت، وذلك على الرغم من أسعارها تنخفض عنها بفوارق هائلة. ولتوضيح الفكرة سنأخذ مثالاً على سلعة أصبحت تستنزف مبالغ غير مبررة من دخل الموظفات وهي حقائب اليد. فمن المتعارف عليه أن أسعار الحقائب التي تنتمي لماركات شهيرة، وصلت إلى مستويات قياسية تكاد تقارب أسعار بعض السيارات الكورية الصغيرة. في حين توجد حقائب أخرى من البلد المصنع نفسه، وتستخدم نفس أنواع الجلود والمعادن والأقمشة، أسعارها لا تتجاوز بضع مئات من الدراهم. وأنا هنا لا أتكلم عن الحقائب المقلدة، بل عن حقائب أصلية تنتجها شركات إيطالية وفرنسية وإنجليزية، لكنها في مجملها شركات جديدة نسبياً ولا تسعفها سمعتها للمبالغة في رفع أسعارها. المشكلة الحقيقية هي أن الشركات الشهيرة نجحت في مجتمعاتنا الخليجية على وجه التحديد في ربط مفهوم الأناقة بالسعر المدفوع بغض النظر عن توافق السعر مع المنفعة، فأصبحنا ندفع مبالغ طائلة مقابل اسم الشركة، وتاريخها، وشهرتها، وهي أشياء لا تهمنا إطلاقاً، ولا ترتبط مع أي معايير موضوعية للأناقة. وأهملنا في المقابل معايير أخرى أكثر أهمية من مثل الذوق والرشاقة، فالأناقة الشكلية لا تحتاج لأكثر من ذوقٍ رفيع وجسدٍ رشيق، ومن بعدها يمكن لأبسط الملابس أن تؤدي الغرض، وبكفاءة عالية. [email protected]
#بلا_حدود