الثلاثاء - 15 يونيو 2021
الثلاثاء - 15 يونيو 2021

تكاملنا ضرورة للحفاظ على توازن المعادلة الصعبة

كم هي متشابهة لحظات الحب الحقيقي في حياة الإنسان باللحظات التي تعتري شعباً حينما يقوم بثورة حقيقية. فكلاهما لحظة من لحظات الاختيار الصعب التي تمر على المرء. تختلط فيها مشاعر الفرحة مع القلق مع الرهبة، الحلم مع الخوف من الإخفاق، والرغبة في التغيير وقرار التلاحم مع الآخر من أجل بناء مستقبل مختلف. مشاعر متنامية متضاربة في الوقت ذاته، وربما هذا هو أروع ما في الحب وما في الثورات. هذا هو شعورنا ونحن نحيا لحظة من لحظات الزمان التي يصعب حسابها بالأيام والأسابيع، بل بمعايير مختلفة تماماً. لحظة ممتدة بدأت بالمفاجأة لأن أحداً ممن دعوا للخروج في الثلاثين من يونيو كان يتصور أن المشهد سوف يكون بهذه الكثافة المدهشة، كما لم يضع أحد في حسبانه أن هذا الخروج الحاشد سوف يتطور من مواجهة بين حزب حاكم وغضب شعبي على ممارساته، ليغدو زلزالاً يهز أرجاء مشروع امتدت طموحاته وأطماعه إلى المنطقة بأسرها. وكما هي لحظات الحب الصادقة تحمل لنا المفاجأة، وجدنا أنفسنا ومن دون أي مقدمات أمام قرارات واضحة ومحددة تشهد جميعها على تلاحم العديد من البلدان العربية قادة وشعوباً مع المصريين شعباً وجيشاً، وكأننا نستعيد من جديد اللحظة العربية بعد مشهد العبور الذي عاشته أجيال، وتربت على الفخر به أجيال أخرى. هي محاولة الانتصار على الصعب ما تجمعنا دائماً في ما يبدو. فنحن نعيش لحظة عبور جديدة ليس لتحطيم خط بارليف ومحاولة استعادة الأرض المسلوبة، بل لتحطيم سياج مرعب من الرجعية وفرض الأفكار المغلوطة، وإعادة تشكيل المنطقة على أهواء عقول خارج سياق العقلانية والوسطية. وفي كل الحالات فإن استعادة الأرض لا تختلف في مكانتها عن الرغبة في استعادة العقل وفرض ضرورة احترامه على كل من تسول له نفسه بالعمل على تغييبه أو قمعه أو التسلط عليه. نعم، ربما لم يخرج المصريون في البداية من أجل هذا كله، بل انتفضوا رفضاً للسياسات الحاكمة على مدى سنة كاملة، والتي بدأت منذ اليوم الأول في تغيير وطمس هويتهم الوطنية التي لا يعتزون في الحياة بشيء قدر اعتزازهم بها، مروراً بانكسار كبير في كل ما يخص تفاصيل حياتهم اليومية .. خرجوا من أجل استعادة أنفسهم، فاستعادوا وجودهم الحقيقي بين أشقائهم العرب، وبداية تلمس موقعهم الذي يليق بهم بين دول العالم. هي أوقات شديدة الخصوصية تلك التي نحياها جميعاً. ولكنه أيضاً كما في الحب الذي نعيش أعمارنا نبحث عنه، ونحلم به، ونغني من أجله، من الممكن جداً أن نلتقيه وفي قمة شعورنا بالسعادة يتسرب من بين أيدينا، لأننا لم نعرف كيف نحافظ عليه أو ننميه، واكتفينا بأننا قد وجدناه. ما حدث ويحدث في الأسبوعين الماضيين سوف يغير الكثير من نهج التعامل في المنطقة التي نعيش فيها، فالتكامل لا مفر منه من أجل الحفاظ على توازن المعادلة الصعبة التي ستظللنا بجانبيها لفترة طويلة وربما أكثر مما نتصور. أما في ما يخص المصريين، فبعد الثلاثين من يونيو هم في مواجهة كبرى مع أنفسهم كأبناء بلد واحد أولاً، وكأبناء وطن واحد ثانياً .. نحن على المحك مع أفكارنا وحضارتنا وتراثنا ومستقبلنا، مع ما نحمله من مساحات قادرة على التفاوض، التسامح، الانتقام، الغرور، البناء، التباهي، الاستغراق في العمل، التفريط والارتكان إلى نصر تحقق .. إلى آخر ما يمكن أن يفرزه المستقبل القريب من مزايا وعيوب ومفاجآت أيضاً. وكما في الحب الحقيقي، لا يرسم النهايات بعد الله سوى قدرتنا على تحديد ماذا نريد؟ وكيف سنحقق ما نريد؟ [email protected]
#بلا_حدود