السبت - 19 يونيو 2021
السبت - 19 يونيو 2021

إنسان «الميلك /شيك»

«إن المعرفة التي ﻻ تستمد من التجربة ليست يقينية» بيكون. تظل تعتقد لفترة طويلة أنك بقليل من اﻻطلاع العام على كل شيء ستصل إلى تلك المعرفة الكاملة عن عادات الشعوب وطرائق حياتها وكيفية تعايشها في حيزها الخاص، إلى أن تضعك التجربة في مواجهة معرفية مع شخوص مباشرة لتذهب إلى ما هو أبعد من ذلك، فتكتشف أننا وبرغم هذا التجانس الظاهري الهائل نكاد ﻻ نعرف شيئاً عن بعضنا البعض، وهو أمرٌ يستمر بإدهاشي دائماً. العالم في ثلاثة أيام هكذا رأيت الأمر وأنا أقضي مع مجموعة تتكون من شعوب ثلاث قارات ما بين آسيا وإفريقيا وأوروبا مدة ثماني ساعات ويزيد يومياً في محاولة للعمل على تكوين فريق متناغم متعدد الثقافات يسهم في زيادة إنتاجية العمل بمزيد من الفرادة التي تتمتع بها كل ثقافة على حدة إلى جانب ابتكار تداخل الأفكار في فكرة عامة بروح فريق يدمج فوارقه ليقدم شيئاً جديداً ومختلفاً أو يسهم على الأقل في ابتداع طرائق خلاقة لحل المشكلات العملية اليومية. بأقل قدر من الصراعات والحساسيات. الفرق المتنوعة أتت وهي متخوفة من فكرة المشاركة بالدرجة الأولى ثم خوف الرفض من اﻵخر الذي ﻻ يشبهها ظاهرياً وبالتالي هي كونت فكرة أن داخله يشابه ظاهره الذي سيصعب التعامل معه. هكذا بدأنا .. زوايا منفصلة تتوازى وﻻ تتقاطع خصوصاً وأنا أدون وأتشارك تلك الملاحظات المختلفة عن دولة الإمارات العربية المتحدة مع المجاميع، فأغلب الذين كانت لهم فرصة اختبار الحياة على أرض الإمارات لفترة طويلة اكتفوا بالمشاهدة البعيدة ذاتها دون اختبار محاولة فهم الشخصية الإماراتية بعيداً عن شمولية النظرة العامة للمواطن العربي أو الخليجي على سبيل المثال، مما جعلهم ينزون بعيداً في مجتمعات منغلقة حسب الجنسية في المجتمع الكبير بحيث ﻻ يشكلون تجانساً تاماً وحقيقياً كما يظهر مما يثقل وﻻ يكمل، أما أولئك الذين كانوا يختبرون أيامهم الإماراتية الأولى الأوربيون على الأخص فقد جاؤوا محملين بقالبهم الجاهز عن الشرق الأوسط وقاطنيه وبنظرة شمولية أصعب قد تهضم حق المجتمع الإماراتي في عكس صورته الحقيقية اجتماعياً على الأقل بشكل واضح بعيداً عن تعقيدات التصنيفات المعلبة وبحس المشاركة الإنساني المجرد من أية خلفيات أخرى كنقطة تنوع البيئات التي يجهلها الكثر وبالتالي يغفلون تنوع مجتمعنا الصغير بالأساس ومرونته، والعكس أيضاً في مدى فهمنا وإدراكنا نحن الإماراتيين لمعنى هذا التنوع لبتر أي معلومات مغلوطة أو صور عامة تستمر بالتشكل عنا، في حين أن الأمر في مجمله لن يحتاج أكثر من تجربة معرفية قائمة على التواصل بالدرجة الأولى. إن النظرة الشمولية للمجتمعات حسب تأملي تهضم أكثر مما تبين إذ إنها قد تمنح امتيازات لمجتمعات ﻻ تستحقها، وقد تسلب على الجانب اﻵخر فرصة مجتمعات أخرى في إلغاء الصور النمطية العامة المتكونة عنها. بعد تبحر طويل خلال تلك الأيام الثلاثة اشتمل دراسة تفصيليلة للأبعاد الاجتماعية والسياسية والاقتصادية لكل فرد ورؤيته من زاويته الخاصة ثم من نظره مجتمعية قادمة من مصدرها انتهينا لنكون زاوية واحدة تنطلق من فكرة أنه أمام اﻻختبارات والاختيارات الحياتية قوة عقلك وشخصك ودرجة مرونة إنسانك الخاص هي التي تحدد ماهيتك ﻻ خلفياتك المختلفة .. لذلك فإنك تأتي بخلفية بيضاء تشبه في أولها الحليب «السادة»، ثم تأتي نكهتك الخاصة من عالمك المحيط، ثم يأتي بعد ذلك ثالثاً ذلك الخليط الأبعد فالأبعد من المكونات الموجودة في العالم البعيد عن طريق الخوض والتعارف والتجربة لتخفق سوياً فتكون ذلك الإنسان المنفتح على كل اﻻختلافات المتنوعة .. إنسان «الميلك شيك» إن جازت لي تسميته بذلك. ما سبق ذكره ﻻ يعني إلغاء خصوصية المجتمعات ودحض هويتها بداعي المشاركة كما ﻻ يعني مسح الحقوق الأولية التي تحفظ هذه الهوية وتعززها، وهو إن تم فيعني فهماً خاطئاً للتجانس الذي سيؤدي إلى انقراض هويات على حساب أخرى، وسيورث إلى جانب ذلك التباساً آخر في مفهوم الوطن - الأرض - اﻻرتباط، وسيؤثر ﻻحقاً في مدى فاعلية الشرائح المنتجة من المجتمع المضيف. بل إنه على العكس من ذلك يعني تقوية تلك النكهة الخاصة للفرد والمجموعة حتى تلك الأقل عدداً منها لأن الوضوح الحازم للنمط وطريقة التعبير عنه بطريقة ﻻ تنفر اﻵخر بقدر ما تزيد من درجة فضوله وإقباله على المعرفة والفهم ثم التقبل بحيث يتكون ذلك الوعي الشامل للتمازج الذكي الذي ﻻ يقبل اﻻنهيار أمام أول شرارة انهيار أو تقسيم حتى داخل المجتمع الواحد. [email protected]
#بلا_حدود