الاثنين - 14 يونيو 2021
الاثنين - 14 يونيو 2021

النداء الأخير

غرفة جدتي المليئة بالذكريات، ورائحة الزعفران والحناء، والكثير من البخور المتصاعد من المبخرة القريبة من سريرها، صندوق حديدي تملأه العديد من الألوان الزاهية وعلى يمينها كومة أكياس، تحمل في داخلها أشياء مختلفة، وعلبة البسكويت الحديدية، حيث تخزّن جدتي خيوطها وبرقعها الذهبي الزاهي وكومة إبر لتخيط بها قطعه قماش اهترأت. هنالك كانت تجلس دائماً، بجانبها «مهفة» مروحة مصنوعة من خوص النخل، وسجادة صلاتها والعديد من الأشياء المختلطة ببعضها بعضاً، وصورة قديمة لجدي، ترقمها كل حين وآخر. وعندما تنظر قريباً في عينيها، ترمق ذلك اللمعان المختلط بحنين الأمس، والابيضاض الزاحف على قزحيتها، وبعض التجاعيد حول عينيها الجاحدتين، وشعرها الأبيض المائل إلى الصفار من آثار الحناء. كانت خزانة جدتي مليئة بالتحف الفنية، نجمة بحر التقطتها في صباها، صدفة أهداها جدي لها، وزجاجات مليئة بدهن العود والعطر العربي المخلط، وفي زاوية أخرى تجدها تحتفظ بملابس تنوي أن تهبها لأحدهم، أو أكياس تحتوي على حلوى. جدتي التي تحتفظ بكل شيء، لأن كل شيء يبدو مهماً، تحب الذهب والحناء لأنها تشعر بأنها لا تكون امرأة كاملة من دونهما، يحبها الجميع ولا يذكرها أحدهم إلا بقول خير، كانت ذات شخصية قوية ومرحة، كثيراً ما يجعلنا ننفجر ضحكاً على تعليقاتها المضحكة، جميلة كانت في كل حالاتها، وحتى بعد أن غطتها التجاعيد وغبار الزمن، ظلت كما هي طفلة صغيرة في لباس امرأة عجوز. وفي لحظة النداء الأخير كانت جدتي بكامل زينتها، بقايا حناء على أظافرها، أساور ذهبية في معصميها، ورائحة البخور تنبعث منها، كانت تبدو نائمة، كعادتها هادئة في نومها، تكره الضجيج وتزعجها الأصوات العالية. وبعد رحيل جدتي أصبح الفرح في منزلنا غائباً، وبدأت رائحة الحناء تزول شيئاً فشيئاً، أصبحت أخاف الظلام كثيراً، ربما لأنه يشعرني بأنها رحلت، وعلى الرغم من قساوة الرحيل وألم الشوق إلا أنني أكاد أراها هناك، جميلة كما يتذكرها الجميع في صباها، تضحك كثيراً، تفوح من يدها رائحة الحناء، وتملأها رائحة البخور ودهن العود، تجلس جنباً إلى جنب جدي. اللهم اغفر لمن كانت جدتي وأمي ورفيقتي، وارحم جميع من رحلوا عنا. [email protected]
#بلا_حدود