الخميس - 17 يونيو 2021
الخميس - 17 يونيو 2021

جريمة تخريب العقل أبشع من قتل النفس

جميعنا يعرف عقوبة القاتل الذي يزهق النفس التي حرم الله قتلها إلا بالحق، لكني بشكل خاص لا أعرف عقوبة واضحة تجاه قتل العقل الذي ميز الخالق به الإنسان عن سائر مخلوقاته، ليست هناك عقوبة منصوص عليها، على الرغم من أن تخريب العقول بنشر التضليل، وإشاعة الأفكار الظلامية، وتشويه الثقافة والتراث والحضارة، ربما يتخطى قتل النفس، فالجريمة هنا ليست فردية، بل تتعدى هذا بكثير ليزحف خطرها على أجيال وأجيال مقبلة. نحن في مصر على مدى عام كامل وحتى اليوم، عانينا ولازلنا من محاولات مضنية لهدم أي رمز حضاري أو فكري يشير من قريب أو بعيد إلى مكانة هذه البلد في قلوب أبنائه، وكل من يحبونه في هذا العالم. والأمثلة على هذا كثيرة ولا حصر لها، فقط سنسوق منها القليل جداً. بالتزامن مع تغير الحكم في مصر، انطلقت بعض الدعوات المتشددة، تهدف جميعها لضرورة تحطيم الأهرامات والتماثيل التي تمتلئ بها مصر، مؤكدة على أن المسلمين مكلفون بتطبيق تعاليم الشرع، ومنها إزالة تلك الأصنام كما حدث في أفغانستان، وتحطيم تماثيل بوذا. ولا ندري عن أي دين كانوا يتحدثون بهذه الثقة، مع أن عمرو بن العاص (الصحابي الذي فتح مصر) دخل مصر، ولم يحطم تمثالاً، فتحطيم التماثيل مرتبط بعبادتها، وليس بوجودها كشاهد على العصر، ناهيك عن أن التراث الحضاري مع الوقت يصير ملكاً للإنسانية، ولا يجوز العبث فيه أو الاقتراب منه. لم يقتصر الأمر على التحريض على أفعال بشعة، بل صاحب كلاً منها فتوى ورأي وتأكيدات بصحة ما يفعلونه، وعلى مدى العام توالى مسلسل هدم الآثار والتماثيل والأضرحة مثل: تحطيم رأس تمثال الزعيم الراحل جمال عبد الناصر بسوهاج، وتشويه مجموعة من التماثيل التي تم إهداؤها إلى مصر من دول شرق آسيا في الحديقة اليابانية إحدى المحافظات المصرية، والتي كان هدمها، بحسب ما قيل وقتها، ما هو سوى مجرد إنذار، ومن بعده سوف يتم تحطيم التماثيل الفرعونية والإسلامية والقبطية، وكأننا نعيش في حرب مع طرف مُصرّ على محو هوية مصر الثقافية، ومسخ عقول الأجيال الجديدة. مع بدايات هذا العام قامت مجموعة ملتحية باقتحام المجمع الفني الخاص بها بمدينة 6 أكتوبر، وحطموا تمثالاً أمام واجهة المجمع، بدعوى تطبيق شرع الله. هذا التمثال كان يعبر عن صمود المرأة العربية والمصرية خلال عقود طويلة، فقد كان عبارة عن سيدة تمسك في يدها شعلة، وفي اليد الأخرى كتاباً، في إشارة إلى الحملة التنويرية التي قادتها المرأة المصرية خصوصاً والعربية بشكل عام خلال العقود الماضية. والهدم لم يكن هو السبيل الوحيد لتخريب العقول، فقد تمت تغطية تمثال «عروس البحر» في مصر. والعبث بتمثال الرئيس الراحل جمال عبدالناصر، وتمثال سيدة الغناء العربي أم كلثوم، وتشويه تمثال عميد الأدب العربي طه حسين، ولم تسلم الكتب المدرسية من نزع صور لرائدات الحركة النسائية المصرية، لأنهن كن غير محجبات. مئات الأمثلة يمكن أن تساق لتأكيد فرضهم نوعاً من الهيمنة على عقول الشباب والصغار. هذه الأيام وبعد 30 يونيو تم تحطيم تمثال نهضة مصر من قبل المعتصمين في ميدان النهضة، هذا التمثال الذي صنعه المثال الشهير محمود مختار، رحمه الله، لفلاحة مصرية تربت بيدها على تمثال أبو الهول. نعم تم كسر رأس الاثنين، ولكن الفلاحة المصرية لازالت تقف شامخة، وسيظل رأس أبو الهول المهشم شاهداً على أن ما فعلوه أسوأ بكثير مما فعله أي احتلال جاء إلى مصر منذ آلاف السنين. [email protected]
#بلا_حدود