الاثنين - 02 أغسطس 2021
الاثنين - 02 أغسطس 2021

كم أحبك يا أمي

إذا سلمت رؤوس الرجال من الأذى، فالمال مثل قص الأظافر .. لا تخف يا ولدي فالأيام المقبلة لك، مدرستي مدرستي .. أمي أمي .. ستكبر يوماً يا ولدي وسيكون لك مكان في الحياة فاستعد، افعل الخير يا ولدي وستلقاه عند الله .. قم للصلاة، هل صليت؟ تعال للغداء فقد طبخت الأكلة التي تحبها (فأمي تعرف أن الطريق إلى رؤيتي يمر من خلال معدتي نظراً لانشغالي اليومي الشديد، فهي تتفنن طبخ القباب المشوي أو المجبوس أو الهريس أو الرقاق والخنفروش والخمير، فقد زرت دولاً كثيرة وأكلت في مطاعمها ولم أجد ألذ من طبخ أمي). تلك هي بعض أحاديث وتوصيات أمي الأديبة المطلعة في زمن مدرسة المطاوعة. نهلت أمي من كتب لم أقرأها كرياض الصالحين وغيرها، حفظتني الشعر بشقيه الفصيح والنبطي، وألقت ومازالت تلقي على مسامعي الكثير من الشعر في حب رسول الله وشعر الحكمة والوطنية والأمثال، وعلمتني أدبيات كتابة الخطابات وحب الناس وحسن التعامل معهم، ويسميها أبي دائماً بأم العالم تقديراً لدورها الكبير في الأسرة. أنا تلميذها منذ كنت طفلاً وحتى اليوم، وبرغم شهادة الدكتوراه التي أحملها من أعرق الجامعات البريطانية إلا أن أمي مازالت تسألني كل لحظة، وتأمرني وتنصحني وترشدني وتمنعني أحياناً. كانت أمي ومازالت، تحمل همي أنا وأسرتي وتتابع حاجاتنا وتدير غرفة عمليات صباحية لتنسيق توصيل أطفالنا للمدارس بين بيتي وبيت أخي وبيت أختي. إن غبت أو لم أتصل تسأل عني هنا وهناك، تتابع حتى مقالاتي، وتسألني عما كتبت أو ما سأكتب. أمي جزاها الله خيراً بكل مناسبة، ومنذ طفولتي إلى اليوم، تأخذني إلى زيارة الأهل والأرحام. أمي كباقي الأمهات من الجيل المخلص الوفي ممن أحب أرضه ووطنه وقادته، فهم عاشو جنباً إلى جنب مع شيوخهم، فهي كذلك اليوم إماراتية كغيرها من الأمهات حتى النخاع. علمتني مذ كنت صغيراً مقولة (نار بلدك ولا جنة غيرها). والأم هي من يقوم بالتربية الروحية والفكرية، ومن يتحمل إدارة المنزل وتدبير شؤون الأسرة وغرس القيم الإيجابية والوطنية والاجتماعية. لقد أوجدت بداخلي حباً لشخصيات وطنية عديدة. إني أحب أمي كما يحب كل منكم أمه وأكثر، وليس في الحياة من لا يحب أمه. الأم هي الرحمة، ولن نؤدي حق الأم ولا حق زفرة من زفراتها مهما قدمنا لها. أذكر يوم أن كانت أمي تمسك بيدي وتهز رجلي وتضعها على المدفأة التقليدية (الفحم على الكوار) التي كنا نستخدمها قبل خير الاتحاد يوم أن كنت أعود من أيام الطفولة في الشتاءات الباردة والمطيرة. فليت الأيام توقفت هناك وبقيت صغيرك لا هم لي إلا العودة إلى حضنك. هل أستطيع أن أكون لك كما كنتِ لي، هل أستطيع أن ألوذ بك وأعطيك الأمن والدعة وأدفع عنك كل الألم. هيهات يا أمي أن نجاريك في حبك وتفانيك. أماه قد شغلني عنك الطموح والعمل والنجاح والمستقبل، وإن كل نجاح تحقق لي كان بفضل الله ثم دعمك وتأييدك وحبك وعطائك. ولكن، ما قيمة كل هذا إن لم أرك جواري، تفرحين وتباركين لي، وتسأليني ما صنعت، ومن حضر وماذا قلت؟ هذا كان ديدن أمي بعد كل محاضراتي التي أقدمها، كانت أمي علي أشد من لجنة التقييم، كانت توجه وتعدل لي حركاتي وكلماتي ومستوى صوتي بعد كل مرة تشاهدني في التلفاز أو تسمعني في المذياع. عودي يا أمي، فعهد يا أماه وقد علمتني الوفاء بالعهد أن أعود كما كنت طفلاً في حجرك أرضع من رضاك، عودي يا أمي فلا شيء في الوجود يعدل بسمتك ووجودك فأنت كل الحياة، ولا يمكن أن أتخيل الحياة بدونك برغم إيماني العميق بقدر الله وأن كل من عليها فان. أمي ترقد الآن في مستشفى خليفة بالعاصمة الحبيبة أبوظبي برعاية خدمات صحية فائقة من هيئة أبوظبي الصحية. أسأل كل من يقرأ مقالي دعوة صادقة من القلب لأمي ولكل أم، فهي تتألم وآه لألمها. تدمع العين عليك يا أمي ويحزن القلب، وأسأل الله أن أراك ثانية بيننا فى منزلك تجمعينا على مائدتك المستديرة كالمعتاد، فلا أدرى بعدك من سيجمعنا وأي طعم للحياة بدونك، لتلاوة من سأستمع التي تعطر جنبات البيت في الفجر، فاللهم إن أمي قد أتعبت نفسها لأجلي وأحرقت شبابها لتربيتي وأعطتنى بلا حدود، فاجعلني اللهم باراً بها ووفقني لإسعادها وخدمتها، وعافها واعف عنها وارزقها جنة عرضها السموات والأرض. للتواصل مع الكاتب [email protected]
#بلا_حدود