الخميس - 29 يوليو 2021
الخميس - 29 يوليو 2021

تلقين أبجديات سحق الأديب

عندما نشر «ضمير الأمة»، كما كانت تلقبه الصحف بعد وفاته، المؤلف الروسي سولجينتسين الجزء الأول من روايته (أرخبيل جولاج) في باريس عام 1970، منح بسببها جائزة نوبل. وكتعليق على هذا الحدث انتفضت السلطة السوفييتية واعتبرت أن الجائزة جاءت في إطار الحرب الباردة، ثم استجاب الرئيس السوفييتي ليونيد بريجنيف بطيش لانفعالاته فصرح في اجتماع للمكتب السياسي للحزب بقوله: «صدر عمل جديد لألكسندر سولجينتسين بعنوان ـ أرخبيل جولاج ـ وحتى الآن لم يقرأ أحد هذا الكتاب الجديد، لكن محتواه معروف مسبقاً. إنه هجاء فظ معاد للسوفييت، ومن ثم فإن لدينا كل المسوغات الكافية لنضع سولجينتسين في السجن، فقد تجرأ على تاريخنا السوفييتي وعلى السلطة السوفييتية، لقد تمادى كثيراً هذا العنصر المعربد المسمى سولجينتسين ولم يعد يأبه بشيء، وإني لأعتبر أنه من الضروري تكليف جهاز كي. جي. بي ونيابة الاتحاد السوفييتي بوضع سولجينتسين تحت طائلة القانون». بعد التصريح قبض على الكاتب في 12 فبراير 1974 ووجهت إليه تهمة «خيانة الوطن»، ونفي إلى ألمانيا الغربية بموافقة عريضة من المجتمع الذي صار يمقته تقليداً للسلطة. كل هذا حدث بينما لم يقرأ أحد المتسخطين سطراً من الرواية، لكنهم اعتمدوا على خلفيتهم المرجعية عن توجهاته، على الرغم من أنه لم يحظ بفرص سخية جداً في النشر قبل ذلك، وأحياناً بالاعتماد على حكم جاهز من أحد المغرضين يشيطن كتاباته وينقلها للناس بعد أن يحشر فيها رأيه الخاص، ويكون قد نجح في تحقيق المؤامرة ضده. الذاكرة لاتزال تحتفظ بموقف مماثل لمفكر اغتيل من قبل شخص كان ضحية لتجهيل الجمهور الجاهل أصلاً، اغتال فرج فودة بينما لم يكلف نفسه الاطلاع على دوافع من بين السطور يمكن أن تبرر له جريمته في نظر ضميره على الأقل. الحقيقة إن الدخول لمنطقة الاحتفاء بالأديب بقدر ما تشعله جماهيرياً فإنها في الوقت نفسه قد تحرقه، وتخلق له نوعية من المتابعين ترى في كتاباته ما يعطل مصالحها أو يهدد ثبات أوضاعها أو لأي دواع أخرى، وليس شرطاً أن تكون السلطة الحاكمة وحدها من تفعل، ولذا فهذه النوعية من المتابعين حين تستشعر الخطر تتولى تنشيط فتيل الإحراق توطئة لهذه المهمة. تعمل على مخاطبة عاطفة الجمهور بدلاً عن العقل، وهذا أسلوب كلاسيكي لتجاوز التحليل العقلاني بتعبير تشومسكي، وبفتح السجل العاطفي فهو يفتح الباب أمام اللاوعي الجماهيري ويعطل ملكة التفكير لديهم، ويثير في نفوس الجمهور المخاوف والانفعالات، ليخرج في النهاية جمهوراً حريصاً على المضي قدماً وهو معصوب العينين، يتلون مع كل طيف ويرقص على الإيقاع الأشد تأثيراً ثم يسحق روح الأديب بلا رحمة ودون أن يقرأ له حتى سطراً واحداً. للتواصل مع الكاتب [email protected]
#بلا_حدود