الأربعاء - 04 أغسطس 2021
الأربعاء - 04 أغسطس 2021

حنجرة نضال

«وطني مجروح وأنا أنزف .. خانتني حنجرتي فاقتلعتها، أرجوكم لا تخونوا وطنكم»، نضال سيجري. كيف تفكك عبارة الفنان السوري نضال سيجري دون ألا تشعر، ولو بأسف خفيف على الأوجه كافة.. وكيف لك أن تتكهن بفحواها دون أن تمر عليك الطريقة، التي تفكك بها الحلم البسيط لفوضى عارمة ملتهبة تتقاسمها جميع الأطراف المتطاحنة بضراوة .. فوضى وطن .. تنهشه يومياً وتمعن .. هل تراه بصورة النادم على تصور سابق، أو موقف اتخذه؟ أم تراه يؤكد موقفاً ما بضرورة التخلص من كل ما يعطل سير الحياة القديمة العادية في الوطن الذي ينزف الآن، وإن كانت خساراتها أكبر من مكاسبها .. أم أنه يرى أنه في هذه المعركة بعد هذه الأشواط الطويلة من الكر والفر سيخسر الجميع وأولهم الإنسان السوري.. وبعد تجوال بسيط في سيرة نضال ستذهب إلى تصور آخر مختلف .. ستخاف معه من كل هذا الدم .. ومن وجهة نظر مواطن سوري بسيط، ومعدم ستقف حاملاً جروحك القديمة والآنية واللاحقة في المنتصف، وأنت ترى حلم الحياة الكريمة يتلاشى وسط مطامع استبدادية من النظام، وأخرى طائفية بين الأطراف الدخيلة، وأخرى تخشى تداعيات بناء منظومة ولو شبه ديمقراطية في المنطقة، حيث الكل يتاجر في رسالته بدمك واسمك وفقرك وعوزك ووطنك، وطنك الذي تعرف جيداً أنك ستكون أول المنصهرين فيه لقلة حيلتك وضعفك. خسر العالم نضال سيجري منذ شهر تقريباً، برحيل بسيط بعد سرطان شرس بدأ من حنجرته، فدعاه لاستئصالها، لكنه وبرغم ذلك لم يستأصل شغفه، ورغبته في الحياة عن طريق تقمص كل حياة يتسنى له إعادة عكسها حتى يمتد به العمر، وتتكاثر به الصور إلى ما يزيد على الـ 48 عاماً التي عاشها، ذلك العدد الكبير هو ما يجعلك تشعر أمام وجهه بالألفة، وتتذكره جيداً برغم أنه لم يكن من الذين يشكلون نجوم الصف الأول من الدراما السورية، وشغفه الذي أبقاه مشتعلاً برغم انطفاء صوته جعله يجسد دوراً صامتاً في آخر أيامه، متقمصاً شخصاً جديداً وملمحاً آخر، متجاهلاً قوة تلك الحنجرة، وميلاد الصوت، وبيت الصرخة، وقيمتها بالنسبة له كفنان درامي ومسرحي، متكئاً على جسده بأكمله لعكس ما يريد أن يقوله عن المتعبين من العالم جداً، عن الفقراء في وطنه، وعن الذين قد تشكل لقمة اليوم أكبر جدال مصيري يعيشونه ويفكرون به، الحياة التي امتزج فيها حتى ذاب فكانت أول ما يفكر فيه، ويسعى له، وعلى خلاف الكثير من زملائه من الطرفين، مع النظام أو ضد النظام، تراه انزوى ناحية الوطن دون مزايدة، وبخفوت جعلت الطرفين السابقين يتخذون منه موقفاً عدائياً على ما اعتقد .. فضُم مع من ضم إلى قائمة العار تلك، وحُسب في مرات أخرى مع من حسب ضمن الخائنين لأوطانهم، الموقف الذي قد تكون حسمته إحدى تدويناته الأخيرة قبل الرحيل «أيها الموت، حتى أنت لم تكن عادلاً، لم تأت إلا على الفقراء في وطني. الذين استشهدوا في بلدي من عسكريين ومدنيين، هم فقط من الفقراء، الفقراء يقتلون في بلدي والأغنياء يتشاطرون بالعدّ، والإحصاء ،والتحريض». هل تتبنى وجهة نظر نضال؟ هل تختلف معه؟ هل ستذهب إلى تصنيفه؟ هل ستكترث بالأساس لكل هذه الفوضى الحاصلة فيما تعيش أنت حياة لا يعنيها كل ذلك؟ كل ذلك لا يهم، فالحقيقة أنت تحتاج للإدراك العميق قبل اتجاهك نحو التصنيفات الفارغة إلى أعداء وأصدقاء، ما يهم وبشدة هو أن قائمة الدم في هذا العالم المشتعل تحصد البسطاء أولاً وأخيراً ودائماً، أولئك الذين تتشاطر معهم أنت صفة البساطة ذاتها، فكر من مكانك هذا أياً كان بأولئك الذين يشكلون الحلقة الأضعف من القرارات صغاراً وكباراً، والمس مدى تشابهك الروحي معهم، قلب القضايا على الأوجه كافة، اسأل، ثم أدرك أنك الحلقة الأضعف أيضاً، واشعر بمرارة أن تكون رقماً يأتي موتك على الشاشات في خبر عارض، فكر ملياً في كل صوت يدعم الدم ويمجده لأي مبرر، ولا تكن حنجرته المكبرة، كن فقيراً، كن إنساناً. للتواصل مع الكاتب [email protected]
#بلا_حدود