الخميس - 05 أغسطس 2021
الخميس - 05 أغسطس 2021

وشم الثقة

الثقة بالآخرين كثيراً ما تفرضها العلاقات مع مرور الزمن ومعرفة أطرافها ببعضهم بعضاً، تلك المعرفة التفصيلية التي تأخذهم لحد التلاحم والتآلف. تؤدي ثقتنا بالآخر إلى ظهور صورة خفية لسطح الدهشة، لأن ذلك الأمان الذي نشعر به مع البعض يترك زمام أرواحنا كي تنطلق بحرية وراحة تامة، كي تكون على حقيقتها دون تكلف وادعاءات لا تمت بصلة إلى عوالمها الأصدق. ولأنها امتداد لنا، وانعكاس مطابق لما نشعر به عميقاً، فهي تأتي بسرعات مختلفة وبقوى متفاوتة وبشغف متردد أو مندفع، يعتمد ذلك على ما نشعر به تجاه الآخر من حب أو انتماء أو أي مشاعر ترغبنا في فكرة الثقة به وإسناد أفكارنا الصامتة طويلاً على جدرانهم، طمعاً في الراحة والتنفس عميقاً دون قلق وربما رغبة في البكاء أو الضحك بصوت مرتفع، الثقة بوابة الدخول إلى كرنفال الحياة الأجمل، وسادة من ريش النعام نحلم أن نضع رأسنا عليها بحثاً عن سلام داخلي كي يخدم مسيرة الحياة وأهدافها. في الحقيقة ثقتنا في الآخرين لن تكون دون ثقة الآخرين بنا، فهل نحن أهل لثقتهم؟ سؤال علينا طرحه كلما سألنا أنفسنا بمن يمكننا أن نثق؟ يميل الناس عموماً للثقة بالشخص المنصت، المحايد، الصريح، المنجز، صاحب الأهداف والرؤى الواضحة، متخذ القرارات، الحازم، والذي يعرف كيف ينظم حياته ويسخّر موارده المعنوية والمادية. في الغالب هذه الصفات وغيرها من صفات قوة الشخصية والإرادة تنبع من أشخاص يثقون بأنفسهم عميقاً، يتحكمون بواقعهم ويعرفون توجيه دفة الأحداث حيث شاءوا، فلا تربكهم التغيرات الطارئة للطبيعة، ولا يهددهم أي اختلاف في خطة أو خارطة، ومستعدون تماماً لتحمّل المسؤولية ومواجهة العقبات، وفي الوقت ذاته هم مستمتعون بالحياة مع تفاصيلهم الخاصة التي تجعلهم يعيشون متعاً كثيرة تمكنهم من شكل حياة مبهر، هؤلاء هم من يمكننا الوثوق بهم، لأنهم انعكاس صادق لذواتهم، وصورة ناجحة عما نود أن نكون عليه، نموذج مؤهل للوثوق به. غير أن الثقة الواعية لا تحتم بالضرورة نجاح تجربة الثقة مع البعض، فأن تعرف قيمة الثقة وأهميتها وحاجتك إليها ونفعها في بث السكينة وشعور الأمان في المحيط الذي تشغله لا يعني أبداً أن الآخر الذي تقصده مؤهل لثقتك به، وقد يصدمك رد فعله أو تشعر بالخذلان والندم على هذه الثقة، وربما تتزعزع ثقتك بالجميع بسبب تجربة واحدة فاشلة أو اثنتين أو ثلاث! غير أنك عند هذا العدد من التجارب عليك التوقف ومراجعة النفس والنظر في مكامن الخطأ حتى تصل إلى أسبابك الصريحة من سوء اختيارك وتقديرك، حتى تضع يديك على جرحك وتضغط عليه عميقاً ويتبدد الألم وتسكن فيك فكرة الأمل الجديد في ترك المجال لفرص مع آخرين للثقة بغاية الحصول على شيء من الطمأنينة ومزاولة الحياة بخطوات طموحة متمكنة. أكثر ما هو مزعج نموذج المدعين أنهم أهل للثقة، لمجرد أنهم يرغبون في أن يشار إليهم بالبنان بأنهم مصدر مشرف للثقة! وجودهم يربك شكل النقاء، ويضطر كُثر للتعرقل بهم وتكرار تجارب الثقة معهم والتي يبوء أغلبها بالفشل، نتائج خانقة لا يتركون لنا منها كمية مناسبة من الهواء للتنفس، هؤلاء قد يبث الندم على ثقتنا بهم سموماً قاتلة أو ربما تشل فكرة الوثوق بالآخرين من جديد، لأن تجارب الثقة أكثر التجارب الإنسانية وجعاً إن اتخذت مساراً خارج ما رغبنا فيه أو توقعناه، خذلان موشوم بالصدمة. علينا ألا نفقد الأمل في من حولنا، ومحاولة تجاهل أو نسيان البعض ممن كانوا أسباباً للتعلم لا أكثر، والسمو بالثقة إلى مكان مرتفع نسعى للوصول إليه دون انتظارها أن تدنو منا، فأصل الفعل في الأخلاق الارتقاء فوق للأعلى، حيث الشمس والقمر والسماء، والثقة خلق نتحلى به من أجلنا ومن أجل الآخرين. للتواصل مع الكاتب [email protected]
#بلا_حدود