الثلاثاء - 03 أغسطس 2021
الثلاثاء - 03 أغسطس 2021

السينما سبقت الشارع

الكثير من الأعمال السينمائية المصرية في عصر ما قبل الثورة استحضرت مشاهد مستقبلية للثورة، وعرضتها على الشاشات كأنما تتنبأ بما سيحدث واقعياً في مصر، أو لعلها تمنت أن يتحقق بشكل عملي كما رسم له سينمائياً، وتكون تلك الأعمال نوعاً من التمهيد والتدريب النفسي لتحقيقه. سقوط الديكتاتور وأبنائه ومحاكمتهم، التصدي للفساد ومحاسبة المسؤولين عنه في الدولة، تأزم الأوضاع الاقتصادية وغضبة الجماهير، كلها موضوعات تناولتها الأفلام السينمائية المصرية قبل أن تحين ثورة ٢٥ يناير بسنوات، كأنما كانت تلك الأفلام تجهز لبروفة طويلة تسبق الحدث الأصلي. مثلاً في فيلم «طير أنت» الذي عرض سنة ٢٠٠٩، وفيه طاغية مستبد (الكبير) الذي يثور عليه الفلاحون وهم يحملون المشاعل ويحومون حول بيته مرددين (الكبير لازم يرحل). هذه الصورة تذكرنا كثيراً بما حدث أيام إسقاط حكم مبارك برغم أن الصورة السينمائية سبقت الحقيقية كثيراً. وكذا في فيلم الديكتاتور الذي أخرجه إيهاب لمعي سنة ٢٠٠٩ نجد أن الفيلم كان يحكي عن ديكتاتور يقوم بدوره حسن حسني، ويحكم جمهورية واقعة في وسط مصر اسمها مامبوزيا، ولهذا الديكتاتور ولدان (كلاهما يلعب دورهما خالد سرحان)، أحد الأبناء مولع بالمجون والنساء، والآخر مهووس بالسلطة والمال. عندما يستشعر الديكتاتور خطر الشعب وقرب صداميته معهم يقرر أن ينفي ابنه اللعوب، وينصب ابنه المهووس بالسلطة حاكماً للجمهورية، وهكذا يحين دور الابن فيبيع مؤسسات الدولة حتى الممتلكات الشخصية العائدة لأبيه. لكن الشعب مصمم على الثورة، ونكتشف أنها ثورة جياع كما تحكيها المشاهد، وهنا يمسك الجيش بزمام الأمور، ويعتقل الديكتاتور وأبناءه، ويحاكمهم، وفي بيان يذيعه قائد عسكري يقول فيه: وباسم الشعب سيتم محاكمة كل من طغى وبغى، هذا وسنضطر لأن يمسك الجيش بزمام الأمور في البلاد لحين استقرار الحكم عن طريق انتخابات شعبية عادلة. لاحظ أن هذا العمل السينمائي بما فيه من نصوص مألوفة جداً هذا الزمن كان قد عرض في ٢٠٠٩ وليس بعد الثورة، التطابق بين المشاهد والنصوص في الفيلم وبين الحال المصري المعيش الآن مذهل، ويقود إلى الاعتراف بأن القائمين على هذه الأعمال لديهم حس تنبؤي شفاف، ولعل تفاصيل البدايات كانت توحي لهم بالنهايات أصلاً ثم أصاب توقعهم. هذه الأفلام التي سبقت الثورة المصرية والتي كانت تشرحها بالتفصيل كأنما انزاح لها الغشاء الذي يغطي المستقبل يعكس الرغبة الجامحة لدى الشعب المصري في الثورة على الطغيان والفساد والاستبداد بكافة أشكاله، وهو ما يجعلنا متأكدين بأن هذه الرغبة تأصلت بداخل نفوس المصريين، لكنها بقيت كامنة، ولم تعلن عن نفسها إلا في ظروف خاصة، عندما حاصرتها الأزمات وخنقها الفساد واضطرها إلى هذا الاتجاه الإجباري، فكان لا بد من وقوع رد الفعل هذا عندما تحققت الشروط الملائمة لخروجه من حالة الكمون تلك. للتواصل مع الكاتب [email protected]
#بلا_حدود