الاحد - 01 أغسطس 2021
الاحد - 01 أغسطس 2021

أنا لستُ جدي

حين أتذكر البساطة التي كان يتعامل بها جدي مع الحياة أدرك أن المدخلات التي وجدت في تلك الفترة كانت بالكاد تخرج خارج نطاق المنزل والأسرة والبحر والقوت اليومي والعمل والرفقة، وعلى الرغم من الثقافة المحدودة التي كان جدي يتعامل بها مع الحياة إلا أنني أستطيع أن أراها بعينٍ ترى الحياة بهدوء أكثر، حيث إن الأخبار لم تكن تصل إليه عبر البلاكبيري والواتس أب. لم يكن جدي يتابع الشبكات الإخبارية والشبكات المضادة لها على تويتر، ولم يكن يتتبع الأعداد الهائلة من مقاطع الفيديو التي يرسلها له صديقه المحبط من مكتبه، حتى إن جدي لم يكن يتابع الجزيرة على مدار الساعة ولم يكن يقلب القناة إلى العربية في الدعايات الإعلانية بين الانفجار والانفجار وبين القتل والإضراب والفكر والفكر المضاد الذي جعل من الحياة من القلق ما يكفي، لأن يسرق النوم ويسرق حتى الأطفال من ألعابهم لمتابعة الأخبار قبل أن يعودوا إلى الآيباد وإلى تحدياتهم التي رسختها بهم قنوات الأطفال التي لم تعد تعاملهم على أنهم أطفال. كان جدي يجد من الحياة ما يبعث الأمل خارج الضجيج، كان يجد ما يسمح له بتلاوة كتاب الله وما يسمح له بالابتسامة وما يسمح له بتأمل البحر، أو ربما الخروج إلى الصيد بعد صلاة الفجر دون هاتف خلوي ينشد رزقه القليل الذي يؤمن بأنه ينتظره هناك، ما يجعل الحضور في الوعي خارج كل هذا التشتيت أكبر بكثير من الآن. وكأننا نقف الآن أمام كل هذا السيل نحاول أن نستعيد أنفسنا من زحام الأخبار ومن زحام تنافس كل شيء للفت الانتباه وإثارة المشاعر بشكل أو بآخر محاولين أن نلتقط أنفاسنا من جديد وربما محاولين أن نوقف كل شيء خارجي لنعود إلى بساطتنا إلى ذواتنا إلى ابتسامتنا لنبدأ اكتشاف الحياة من جديد. كل هذه العوامل خلقت منا بشراً نختلف جداً عن أجدادنا، فأنا لست جدي الآن وقلقي مختلفٌ جداً وأحتاج أن أعيد رسم حياتي وربما أحتاج الكثير من البعد عن وسائل الإعلام لأفكر في أولوياتي وحاجاتي البسيطة خارج كل هذه الفوضى. [email protected]
#بلا_حدود