الثلاثاء - 03 أغسطس 2021
الثلاثاء - 03 أغسطس 2021

مئة عام من الدهشة

الكتابة عن كرة القدم لمن لا يهتم بها نوع من التطفل، لكن تسجيل الدهشة مما تحدثه قدما ميسي في الملعب مسألة يصعب تجاوزها. لا أذكر المرة الأولى التي شاهدته، لكنه سجّل في تلك المباراة هدفاً فاتناً، أمطرتُ على إثره صديقي البرشلوني ومرجعي الكروي «خالد» بعشرات الأسئلة حول تاريخه، واستعنت بمحركات البحث واليوتيوب، شاهدت كيف يتحرك، يركض، وكيف يفكر قبل أن تستقر الكرة في الشباك أو بين أقدام رفاقه. اللاعبون المبدعون يوجدون في كل زمن، أما الذين يصيرون سَحَرة، ويحولون الكرة من عراك على النصر إلى متعة فهم قلة، مارادونا كان ساحر زمنه، روبرتو باجيو، رونالدو، وزيدان كانوا من هذه القلة أيضاً، لكن ميسي يتجاوزهم بقدرته على التفكير قبل اللعب، ليس بهلواناً صرفاً، ولا مجرد لاعب بارع، وليس فناناً متقناً لهوايته، إنه شغوف بكرة القدم، ومخلص جداً لهذا الشغف، كإخلاصه للنادي الكتالوني. ثمة لاعبون محترفون، يعاملون المستطيل الأخضر بذهنية من يعرف ما يحصده من خلاله، مثلهم مثل الكتّاب والفنانين، كونديرا مثلاً يكتب روايته بحرفية عالية، ويجتهد في صناعتها وتطعيمها بالمراجع والأحداث، يربطها بالعلوم، ويصنع في النهاية عملاً شديد الإتقان والمهنية، مثله مثل كريستيانو رونالدو، الذي يحرث الملعب بحثاً عن التصفيق، والعقود الإعلانية، وشاشات التلفاز وتلويح المعجبات. بعكس ماركيز الذي يكتب الرواية كما لو كان يقلّم أظافر قدميه، يبتكر حكاياته مما رأى وسمع وعاش، يذهب بعيداً في استحضار تفاصيل حياته، والناس الذين مروا بها، ويجري في الكتابة وتجري معه الأحداث، يكتب ليستمتع أولاً، كذلك يفعل ميسي الذي يلعب الكرة لمتعته الشخصية أولاً، ولا يكترث بالنتيجة التي يعرف مسبقاً أنه سيحصل عليها. ليس مهماً أن يقف ميسي على منصات التتويج ليرفع كأس العالم، أو أن يكون «لاعب منتخب» حتى ولو اتهم بعدم الوطنية، وأنه مدفوع باللعب لأجل المال لا بانتمائه، فولاؤه للنادي الذي رعاه صغيراً يفسد هذه التهمة، المهم أن يستمر بالهوس ذاته الذي يدفعه للحاق بأصدقائه في الملعب، واقتسام لحظات النجاح معهم، وأن يقرر في اللحظة المناسبة أن يُريح قدميه، ليعيش في الذاكرة مئة عام قبل أن يولد لاعب بدهشته ذاتها. [email protected]
#بلا_حدود