الأربعاء - 04 أغسطس 2021
الأربعاء - 04 أغسطس 2021

استبداد التلفاز

نشر بيير بورديو عالم الاجتماع الفرنسي كتابه «التلفاز وآليات التلاعب بالعقول» الذي أثار موجة واسعة من التعليقات والردود تفاوتت ما بين التأييد والرفض. يضم الكتاب محاضرتين ألقاهما بيير في التلفزيون الفرنسي، لكنه لم يقبل أن يلقيهما إلا بشروطه الخاصة، وهو موقف جريء ينبه إلى وجوب استقلالية المفكرين والمثقفين عن قوانين الشاشة. كان أهم ما جاء في تلك المحاضرتين، هو أنه لا يمكن اعتبار التلفزيون جهازاً محايداً، وهو بالتأكيد يلعب دوراً مسيطراً في تشكيل الوعي اليومي بسبب اتساع انتشاره وتأثيراته المستحدثة على الناس، ويمارس ما أسماه بـ «العنف الرمزي»، وهو عنف يمارس بتواطؤ ضمني من قبل هؤلاء الذي يخضعون له، وأولئك الذين يمارسونه، بالقدر الذي يكون فيه أولئك كما هو غير واعين لممارسة هذا العنف. إن هذا العنف بحسب رؤية بيير هو أن التلفاز يملأ حياة الناس بالأشياء غير المهمة، وغير الضرورية، إنه يستهلك زمنهم في قول أشياء تافهة، وإلغاء الثمينة، وبهذا المعنى يسهم التلفاز في إفساد الديمقراطية حين يحجب المعلومات أو ينشر وعياً زائفاً، عبر لعبة يسميها «لعبة المنع بواسطة العرض»، تهيمن الكلمات على الصورة دائماً، فالصورة سواء الإخبارية أو السينمائية أو تلك التي يعرضها المفكرون غير المخلصين لا تعني شيئاً دون الكلمات التي تهيمن على تلك الصورة لتشرحها وتفسرها، وتصبها في ذهن المشاهد بطريقة ممنهجة يتجلى فيها الاستغفال، وافتراض السذاجة والإصرار على تشكيل وعيه. والنوع الثاني من العنف الرمزي يطال المسؤولين أنفسهم عن البث التلفزيوني، فهم لابد أن يبتكروا أدوات التضخيم الإعلامي للفت انتباه المشاهد وزيادة مقياس إقبال المتلقي أو ما يعرف بالأوديمات، يستخدمون كلمات كبيرة، ويمنحون المعروض صفات درامية وتلاعب غير معتاد، يقضون أوقاتهم في هذا الاختراع ويقعون في هم الجذب كثيراً، وتبعاً لذلك صار الحقل الإعلامي كله مرتهناً بقياس نسبة الإقبال، ومع الوقت يتحول هؤلاء المسؤولون عن البث إلى ضحايا لعقلية نسبة الإقبال هذه، يقضون حياتهم في تجميع أكبر كم بشري مشاهد ومتلقف. ثم إن التلفزيون لا يقبل التعبير عن الفكر أو التجديد فيه، لكنه يستضيف مفكرين في ندوات زائفة يعيدون ويزيدون في الفكر الشائع أصلاً، وفي هذه الندوات لا يتساوى المتشاركون كي يغلب الأقوى الأضعف ويجبر المشاهد على الانحياز للأقوى. ومن أجل هذه الأسباب وغيرها مما ذكرها بيير فمن الخطأ اعتبار التلفزيون يتجه نحو الحيادية، لأنه خاضع للضغط التجاري، وجميع العاملين فيه رهن هذا الخضوع، ولذا من الصعب أن يبدي أحدهم أي مقاومة فردية أو جماعية، وهذه الهيمنة على صعيد العاملين فيها أو على صعيد المتلقي نوع من الاستبداد، فإما أن يتم تجاهله وتركه، وإما فكفكته لرسم سياسة عالمية جديدة له. للتواصل مع الكاتب [email protected]
#بلا_حدود