الخميس - 29 يوليو 2021
الخميس - 29 يوليو 2021

الأسرة وطوفان الطلاق

لا يوجد مشهد أكثر ألماً من أن تكون أباً ولا تستطيع أن ترى أبناءك إلا في مكان محايد وبحكم المحكمة، ولدقائق معدودة بين فترة وأخرى. في قضايا الطلاق لا يوجد رابح على الإطلاق، فكلا الطرفين خاسراً، لطالما كان هناك ضحايا هم الأبناء. قبل عشرين سنة من الآن كان من النادر أن تسمع بواقعة طلاق، بل عل العكس كانت أعداد المتزوجين في ازدياد وخصوصاً ضمن الحيّ الواحد، فكان الجيران يتزاوجون من بعضهم بعضاً كما الأقارب، ولا ضير، تكبر الأُسر ويمتد الحب والألفة بينهما، لتُفتح بيوت جديدة عامرة بما أسسته تلك العوائل فيما بينها متغاضين ومتنازلين عن الكثير من الشكليات والنفاق الاجتماعي. وفي المقابل كانوا يجتهدون في رأب أي صدع قد يطرأ على بنيان أي أسرة حديثة التكوين، إكراماً لتلك العِشرة التي جمعتهم في حيّ واحد لسنوات طويلة، فكان دور الآباء في توجيه الأبناء، وتقديم المشورة لهم في كل ما يعترضهم من صعاب، لذلك كانت الأمور تسير بيسر وهدوء وسكينة بخلاف اليوم. في اتصال إذاعي وجه صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي عضو المجلس الأعلى حاكم الشارقة رعاه الله خطابه الأبوي الدافئ لكل فئات المجتمع، وقد خصّ به أبناءه من المتزوجين الجدد وأرباب الأُسر عامة، مستهِلاً خطابه بقوله: (ألاحظ كثرة الطلاق لأسباب تافهة، والبيوت تتهدم، وإذا تهدمت هذه البيوت فإنما بيتي الكبير يتهدم). فصاحب السمو لم يخفِ قلقه من آفة قد تعوق بناء المجتمع، لطالما كانت الأسرة المتماسكة هي ركيزة أي مجتمع آمن ومستقر. الإحصائية التي كشف عنها المرصد الوطني للإحصاء حول عقود الطلاق والزواج في الدولة للعام 2012، تفيد ارتفاع حالات الطلاق بين المواطنين والمواطنات، والتي وصلت إلى 80 في المئة بين المتزوجين الجدد الذين تبلغ أعمارهم ما بين 20 و30 عاماً، فضلاً عن ارتفاع زواج المواطنين من أجنبيات بواقع 2009 حالة زواج، تصدرتها إمارة أبوظبي بواقع 489 بنسبة 80 في المئة. مثل هذه الأرقام تؤرق فعلاً إذا ما علمنا أن مُجمل الأسباب التي تقف خلف هذه الحالات تافهة وصغيرة لا تستدعي تشتيت أسرة وهدم بيت كان بالإمكان أن يعمر بقليل من الصبر والحب والتأني من كلا الطرفين. استحداث وحدة للخدمة الاجتماعية داخل المحاكم الشرعية قد يسهم بشكل كبير في تراجع نِسبة الطلاق عن طريق التوفيق بين الأزواج المتخاصمين، وتقريب وجهات النظر ومعرفة نقاط الخلاف الجوهرية بينهم عبر استشاريين متخصصين، نقاط قد لا تستدعي آخر الحلول «الطلاق»، في الوقت الذي يمكن فيه وعبر حوار متعقّل خلق فرص جديدة تستحق منهما استثمارها لبداية جديدة وسعيدة، والنظر بمسؤولية إلى مصلحة الأبناء لتجنيبهم ارتياد مسالك الحياة المظلمة بسبب قرار اتخذ لحظة أنانية. للتواصل مع الكاتب [email protected]
#بلا_حدود